بالمصري.. هنا الصومال
بداية قبل أن أستطرد فى كتابة مقالى هذا، لا بد من التأكيد على عدة نقاط مهمة، ورغم أنها راسخة ومن أدبيات السياسة المصرية، وبخاصة فى عهد الرئيس السيسى، فإننى أراها من صلب الموضوع الذى أتناوله، فأردت أن أذكرها وأُذكِّر بها، وهى:
- مصر لا تتدخل فى الشئون الداخلية لأى بلد، صديقاً كان أو عدواً، بنفس القدر الذى لا تسمح به لأى دولة بالتدخل فى شئونها الداخلية.
- تمد يد العون لأصدقائها وجيرانها وأشقائها فى حالة طلبها.
- ليس من الأدبيات المصرية إقامة قواعد عسكرية خارج حدودها.
- مصر هى التى تحدد أبعاد ومدى أمنها القومى براً وبحراً وجواً، وهى فقط من تضع الخطوط الحمراء لأمنها.
- لا تفريط فى حبة رمل ولا ذرة هواء ولا قطرة مياه.
- عقيدة جيشها يدافع ولا يتعدى، يحمى ولا يعتدى.. ومبدأها أن السلام لا بد له من قوة تحميه.
- لا نسكت على ظلم ولا احتلال واغتصاب أرض الغير، وخاصة إذا كان هذا الغير من الأشقاء والجيران وتربطنا به اتفاقيات تعاون ودفاع مشترك.
- الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية، وبالقانون والشرعية الدولية.
- عدم الدخول أو التورط فى أى مغامرة، وتعريض البلاد أو جنودنا للخطر أو الأذى.
هذه مبادئ راسخة شريفة لا فصال ولا تغيير ولا جدال فيها.
من هذه المنطلقات كان وجود قوات مسلحة مصرية على أرض الصومال الشقيقة، التى وقَّعت مع مصر اتفاقية دفاع مشترك، وضمن بنود الاتفاقية قيام القوات المسلحة المصرية بتدريب وتأهيل الجيش الوطنى الصومالى، ليكون قادراً على الدفاع عن أرضه ومقدرات وطنه.
وبناء على طلب رسمى من مقديشو، ممثلة فى برلمانها ورئيسها الشرعى المنتخب من قبَل الشعب الصومالى، كان اشتراك مصر فى قوات حفظ السلام على أرضها.. وللعلم فإنها لم تكن المرة الأولى التى تشارك فيها مصر ضمن قوات حفظ السلام بالصومال تحت مظلة الاتحاد الأفريقى.. وقد سارعت مصر فى مساعدة شقيقتها الصومال من منطلق أن الصومال عضو فى جامعة الدول العربية أيضاً. وليس من حق أى دولة أن تتدخل فى طلب الصومال المشروع فى بناء جيشها الوطنى والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها إلا إذا كانت هذه الدولة لها أطماع فى الصومال، ومن مصلحتها أن يظل هذا البلد مفككاً ومقسماً وضعيفاً ومشغولاً بالصراعات.
ولمن لا يعرف فإن هذا البلد الطيب أهله قد تعرَّض لصراعات مسلحة منذ نهاية الثمانينات، وفى نهاية التسعينات تحسنت ظروفه وشهد استقراراً نسبياً، ومؤخراً تمرد فصيل سياسى واستولى على جزء من الصومال على ساحل البحر الأحمر، وأطلق عليه اسم «الصومال لاند» أو «أرض الصومال»، ولم يتم الاعتراف به دولياً، لأنه طبقاً للقانون الدولى والشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقى وجامعة الدول العربية انشقاق وتمرد ويهدد وحدة واستقلال الصومال.. ولم تعترف بهذا الكيان غير الشرعى دولياً سوى إثيوبيا. وفى مقابل هذا الاعتراف، وقعت إثيوبيا اتفاقاً مع الفصيل غير الشرعى المتمرد حصلت بموجبه على حق استغلال ميناء يقع على البحر الأحمر ضمن «الصومال لاند» لمدة ٥٥ عاماً، وبهذا ضمنت إثيوبيا مكاناً على البحر ينقلها من دولة «حبيسة» لا تطل على بحار وليس لها موانئ بحرية، إلى دولة تمتلك ميناء حيوياً يسيطر على مضيق مهم يطل على البحر الأحمر.
إذن لا يوجد بلد فى العالم مستفيد من الانشقاق والتوتر والتناحر فى الصومال سوى إثيوبيا ومن يمولها ويستخدمها. ولا أقول إن أديس أبابا هى من دعمت وموَّلت هذا التمرد والانفصال الذى حدث فى الصومال، ولكن مقديشو هى من قالت ذلك، وكان من تبعيات هذا الموقف -غير الشريف- أن أنهى النظام والحكومة الشرعية فى مقديشو عمل قوات حفظ السلام الإثيوبية على أراضيها.
وظنى أن هذه الممارسات غير الشريفة التى تنتهجها إثيوبيا مع جيرانها تؤكد تعمدها عدم التزامها بالقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقى الذى ضمن أهدافه ومبادئه الثلاثين:
- الدفاع عن سيادة الدول ووحدة واستقلال أراضيها.
- احترام الحدود القائمة بين الدول.
- إدانة ورفض التغييرات غير الدستورية والحكومات.
- وضع سياسة دفاعية مشتركة للقارة.
- عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول.
وبما أن إثيوبيا قد خالفت هذه المبادئ والأهداف، عندما أقرت عدم وحدة وسيادة الصومال، وعدم التزامها بما وقعت عليه مع مصر والسودان فى اتفاقية التفاهم المتعلقة بآلية ملء وتخزين المياه فى سد النهضة، بما أضر بحصص المياه لدولتى المصب، مما دفع مصر إلى إرسال مذكرة اعتراض على ممارسات إثيوبيا غير القانونية لمجلس الأمن، فلقد أصبح من الملائم والمناسب الآن أن يتم اتخاذ الإجراءات لنقل مقر الاتحاد الأفريقى من أديس أبابا إلى أى دولة أفريقية أخرى تحترم وتنفذ ميثاقه.
إثيوبيا تخاف الآن من وجود حشود عسكرية مصرية فى الصومال لأنها ستحبط أطماعها فى تقسيم الصومال والاستيلاء على الميناء البحرى فيما يشبه الاحتلال، ويعلم رئيس الوزراء آبى أحمد أنه لن يستطيع تنفيذ مخططه فى ظل وجود الدعم المصرى للصومال.
أرى بوادر خلق كيان فى القارة السمراء يشبه «إسرائيل» يسمى إثيوبيا.
أتمنى ألا يتهور آبى أحمد ويجرب مصر.
بلاش احنا.