كلما عاد شهر رمضان، وشاهدت إقبال المصريين، وكل المسلمين في بقاع الأرض، على المساجد لأداء الصلاة وفعل الخيرات، تأكد لي أن الدين مقوم أساسي من مقومات هذه الأمة، وبالتالي فإن أصحاب المشاريع الفكرية الإصلاحية، التي تعادي الدين أو تهمش دوره في عملية الإصلاح والبناء، وتشكيل وضبط منظومة القيم والأخلاق في المجتمع، هم قوم يحرثون في الماء ويزرعون في الرمال، وسوف تظل جهودهم بلا طائل، ولن تؤثر إلا في نخبة محدودة عددًا وعدًة.
وأن مثلهم في تعاملهم القاصر مع الدين" كمثل من لا يحسن فتح صندوق به كنز فيحرقه، ويضيع الثروة والجهود والزمان "، كما قال المفكر المغربي الراحل محمد عزيز الحبابي.
وعندئذ أتساءل: كيف تحول الدين في حياة المسلمين المعاصرين من طاقة بناء وصنع حضارة إلى ملجأ عزاء، وهروب من العالم والعصر حينًا، وأداة للهدم وتمزيق الدول العربية حينًا أخر؟
وبالطبع، فإني هنا لا أقصد الدين ذاته، ولكن الفكر الديني، وطرق فهم الناس للدين، وتأثير كل ذلك على نظرتهم للكون والحياة، والإنسان ودوره، وفاعليته وغايته. وبخاصة ذلك الفكر الذي كرس للوعي الصوفي السلبي، ومفهوم الخلاص الفردي في الدنيا، وابتعد بالإنسان عن الوعي النبوي الإيجابي، الساعي إلى إعمار الأرض، وإصلاح الكون، وتأكيد المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية للإنسان خليفة الله على الأرض.
وقد شرح الفيلسوف الباكستانيمحمد إقبالفي كتابه الشهير " تجديد التفكير الديني في الإسلام "، الفارق بين الوعي الصوفي والوعي النبوي، من خلال عرض وتحليل مقولة للصوفي المسلم عبد القدوس الجنجوهى، في تعليقة على حادثة الإسراء والمعراج، قال فيها: " صعد محمد النبي العربي إلى السموات العلي ثم رجع إلى الأرض، قسمًا بربي لو أنى بلغت هذا المقام لما عدت أبدًا" .
وبالتالي، فالصوفي لا يريد العود منمقام الشهود، الذي يحقق له خلاصه الفردي، وحتى حين يرجع منه، فإن رجعته لا تعنى الشيء الكثير بالنسبة للبشر عامة، لأنه يظل منشغل بحاله وما وصل إليه، ويعيش بوعي قلق، في شوق لما كان عليه.
أما النبي محمد عليه السلام، فكان يجب أن يعود، لهداية البشر، وتحمل مسؤوليته الاجتماعية والانسانية، ووضع اسس الخلاص العام للإنسان في كل زمان ومكان. وبالتالي فإن رجعة النبي محمد، رجعة مبدعة إذ يعود ليشق طريقه في موكب الزمان ابتغاء التحكم في ضبط قوى التاريخ وتوجيهها على نحو ينشئ به عالمًا جديدًا من المثل العليا.
ومن ثم يتضح لنا أن الوعي الصوفي الشائع، والمرفوض ينشد الخلاص الفردي، ويجعل الإنسان المتدين، في انشغال تام بنفسه وحاله فقط.والوعي النبوي النادر، والمنشود يؤكد على المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، و يجعل الإنسان يسعى للإصلاح والتغيير، بما يؤصل للخلاص المجتمعي العام عن طريق حل المشكلات ومحاولة تغيير الوضع القائم باتجاه ما هو أكثر عدالة و مثالية.
والأمة الإسلامية في عصرنا هذا تحتاج من كل فرد من أبنائها، سواء كان زعيمًا أو سياسيًاأو عالمًا في العلوم الدينية أو الدنيوية، أن يحمل هذا الوعي النبوي بداخله؛ فيسلك في الحياة مسلكًافاعلاً ومؤثراً على نحو إيجابي، يهدف لصالح الأمة بداية،وصالح جميع بني الإنسان من كل الأمم والأديان.
وهذا لن يكون بالطبع، إلا بترك أشكال التدين المغلوط، وبإعلاء قيمة التسامح والتعايش بيننا، وترك خصومات الماضي والحاضر، والتمسك بقيم الحوار والتواصل بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد. وبالعمل على تحقيق فهم واع لتراثنا، وتشكيل رؤية نقدية واضحة لواقعنا، ورسم ملامح مستقبل مختلف لديننا وبلادنا.