غداً هو أول يوم من شهر رمضان، كان ذلك كل ما يشغل معظمنا يوم الأربعاء الماضى، المكمل لشهر شعبان، حتى تلقيت اتصالاً من أحد مصادرنا -بحكم العمل فى الأخبار- يقول المصدر: فى غضون الساعات القليلة سيتم الإفراج عن ١٦٥ شاباً من المحبوسين بمقتضى قانون التظاهر، ويتبع المصدر: لقد حرصت مؤسسة الرئاسة أن يقضى المفرج عنهم إفطار أول يوم فى رمضان حول موائدهم متدثرين بأحضان أمهاتهم وسط أسرهم.
واستكمل المصدر تبشيره: سينسحب قرار الإفراج على ما سبق قرار حبسهم من إجراءات حيث يرد من فصل منهم إلى جامعته ويعود من سُرِّح إلى عمله.
يا ما إنت كريم يا رب،
فى غضون الساعات التى بشر بها المصدر، تم الإعلان بشكل كامل عن الإفراج عن المحبوسين بـ«عفو رئاسى» مباشر من رئيس الجمهورية، وتناقلت وسائل الإعلام الخبر فى صدر نشراتها وظل على شريط «العاجل» ربما النهار كاملاً.
وإن كان قلبى رقص ابتهاجاً منذ سماعى البشارة وحتى الإعلان عنها، رأيت أن أجتهد فى استدراك أسباب البهجة، خاصة أن أجواء الرضا المصاحبة لقرار الإفراج عن المحبوسين لم يشملنى وحدى.
- نحن شعب طيب، نرضى بالقليل حتى لا نُسائل أو نُحاسب.
- لدينا اعتقاد راسخ بأن رمضان كريم، رغم أننا نذكر أنفسنا دائماً بأن الله أكرم، لكن مفيش فايدة، يظل استعدادنا لتقبل الخير والابتهاج بالهبات واحتسابها من نفحات الشهر الفضيل أعظم من توقعنا الخير من الواهب العظيم كل يوم وكل ليلة.
- الأسرة المصرية التى استحال عليها توحيد موعد للإفطار أو الغداء بين أفرادها، واستغناء بعضها عن وجبة العشاء، إما لضيق اليد أو ترفاً وخوفاً من السمنة، أصبح مدفع الإفطار هو العصا السحرية التى تعيد لها «لمّة العيلة» وقرار العفو يكشف الغمّ عن ١٦٥ أسرة لم يكن سيحقق لها مدفع الإفطار إلا التذكير بأن لها فقيد فى الحبس.
شكراً سيادة الرئيس،
طالما اعتبرت جبر الخواطر عبادة، والعفو من شيم الكرام، فلنا أن نطمع إذن فى إخلاء السجون من جميع المحبوسين سواء على ذمة قضايا أو بأحكام واجبة النفاذ بمقتضى قانون التظاهر ذاته، أو لنا أن نتساءل: لماذا لا يشمل العفو وبالغ الكرم جميع الشباب المحبوسين؟ وهل لدى مؤسسة الرئاسة النية فى زيادة عدد الأسر الفرحة وإن كانت النية قائمة، فلماذا لم تعلن، أم تفضل المفاجآت؟
لنا أن ندعو الله أن توجه الرئاسة لسرعة الانتهاء من تعديل قانون التظاهر، طالما توافق المجتمع على رفض الكثير من بنوده ما يجعل جميع المحبوسين، وفقه مُستحقين لحريتهم دون عفو.
تدرك الدولة أن عدم التوافق هو أرق وصف لعلاقتها بالشباب الذى يشكل نحو ٦٠٪ من قوام المجتمع.
هناك شواهد على افتقاد الدولة بوصلة الطريق الصحيح لتسير بوفاق تام مع الشباب.
للدولة أن تعيد رسم علاقة الشباب بوطنه دون اعتماد على شخص الرئيس وتحميله مسئولية العلاقة كاملة، غير أنه الرئيس بمؤسسة الرئاسة تتحمل مسئولية عظيمة فى اختزال مفهوم الدولة فى شخصه فقط.
من أكثر الطرق تأثيراً وفعالية فى الإسهام فى خلق التوافق المنشود وإعادة صياغة علاقة الشباب بالدولة والوطن هو تحسين بيئة العمل، أراهن إن قَصد الشباب فى الصباح الباكر أماكن عملهم وعادوا منتشين ممتلئين بما حققوا دون استبداد من أرباب العمل ودون سلبهم حقهم فى التجربة وحريتهم فى الخطأ والسماح بمد أفق الإبداع أمامهم دون شروط أو حدود، وجعل معيار المفاضلة الوحيد بينهم وتقدمهم هو إنجازهم، أراهن إن بقيت علاقتهم بوطنهم متوترة يعنونها السخط والرغبة فى الهدم والدمار، ولكن حتى نحسن بيئة العمل أمامنا عمل كثير، فلما لا تضعه مؤسسة الرئاسة على خارطة أعمالها طالما حملت السلة وحدها، بأقله تضمن جاهزية كوادر غير مقهورة فى غضون السنوات القليلة المقبلة تصلح لأن تحمل المسئولية عنها.
والحديث فى ذلك مستأنف.