مناطحة كامالا وترامب وسوقية الـ«سوشيال ميديا»
المناظرة بين المرشحين لمنصب الرئاسة الأمريكية تاريخية. أى مناظرة فى هذا الشأن كانت وستظل تاريخية. لكن هناك مناظرات تضاف إلى تاريخيتها درجات متفاوتة من الغرابة أو الخطورة أو الدراما. ومنها أيضاً ما يكتسب أهمية زائدة بسبب أوقات أو منعطفات عصيبة تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية.
ستة عقود من المناظرات الرئاسية الأمريكية التى حازت مليارات المشاهدات والمتابعات. نعم، مليارات! متابعو هذه المناظرات ليسوا الأمريكيين فقط. إنهم سكان الأرض، أو فلنقل نسبة معتبرة منهم. والأسباب كثيرة، فبالإضافة لكون أمريكا أقوى دولة فى العالم، على الأقل فى العرف الشعبى سواء من حيث القوة العسكرية أو الاقتصادية أو الناعمة من أفلام وموسيقى وتعليم إلخ، فهى أيضاً الأكثر قدرة فى التأثير السياسى ما ينعكس على العديد من شعوب العالم، سلباً وإيجاباً.
الأرقام تشير إلى أن نحو 67 مليون مشاهد أمريكى تابعوا «مصارعة» المرشحين، الديمقراطى كامالا هاريس والجمهورى دونالد ترامب، ليبقى العدد منخفضاً مقارنة بمناظرات أخرى، تأتى على رأسها مناظرة ترامب وهيلارى كلينتون فى عام 2016، التى حققت 84 مليون مشاهدة.
فى رأيى، مكون الدراما فى هذه المناظرات يفوق المحتوى المتعلق بالبرنامج الانتخابى وعرض السياسات المستقبلية وشرح وجهات النظر، إلخ. الغايتان الأكبر فيها لكلا الطرفين هما: ترك انطباع جيد لدى الناخب، وتشويه المنافس بطريقة أو بأخرى، وكلاهما فن وصنعة وحرفة يقف وراءها مدربون وخبراء.
المتابع المصرى للمناظرة داعبته فى تلك الليلة ذكريات المناظرة الانتخابية الرئاسية الوحيدة فى عام 2012 بين المرشحين حينئذ، الإسلامى وأحد قياديى جماعة الإخوان المسلمين، والذى قال إنه «استقال من الجماعة وتحلل من البيعة لمرشدها العام ليكون رئيساً لكل المصريين إذا انتخب»، ووزير الخارجية والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى. كانت مناظرة تاريخية، وفى الوقت نفسه كارثية لكلا المرشحين. لماذا؟ لأن كليهما خسر فى المناظرة. العصبية والتوتر والمراوغة فى مسائل خلط الدين بالسياسة، وهى الخلطة التى تشكل الجانب الأكبر من عقيدة أى إخوانى حالى أو سابق أو مستقبلى وغيرها من التفاصيل التى ستبقى محفورة فى كتاب التاريخ.
رأيى فى عام 2012 واليوم يبقى واحداً. المناظرات أسلوب حياة وسياسة وثقافة. لا يهم أن تكون المناظرة بين مرشحين رئاسيين. المهم أن تكون فكرة المناظرة لا المناطحة موجودة. بمعنى آخر، تنقصنا ثقافة سمع الآخر. وحتى فى الأحوال التى يبدو أن أحدهم يسمع الآخر، فى الأوتوبيس أو برنامج حوارى أو فى البيت، فغالباً يكون عقله مشغولاً بالانقضاض عليه لا بفهم والتفكير فيما يقول.
بالطبع هدف هاريس كان الانقضاض على ترامب، لكنها كانت ترد الحجة بحجة. وبالطبع هدف ترامب كان التهام هاريس، لكن ردوده، حتى وإن بدا بعضها غريباً، كانت تعكس قدرة على سمع ما تقوله منافسته.
فى المناظرات بين اليمين واليسار، وبين مؤيدى الدولة الدينية والمدافعين عن الدولة المدنية، وبين عشاق الفنان محمد رمضان ومحبى فريد الأطرش وعبدالوهاب، وبين حزب الملوخية بالفراخ وجماعة الملوخية بالأرانب، يستمع هذا لذاك، قبل أن ينقض عليه. وحتى الانقضاض له قواعد وأصول، وحتى يكون انقضاضاً مقنعاً ومستداماً، يجب أن ينأى بنفسه عن الصياح والصراخ والتشويح بالأيدى والشرشحة.
وعلى سيرة الصراخ والشرشحة، أقول إن جانباً غير قليل من محتوى الـ«سوشيال ميديا» الصادر محلياً تطغى عليه الشرشحة. والشرشحة لها معان كثيرة، لكن جميعها يتفق على أن «الشرشوح» هو شخص يعمد إلى الحديث والتعامل بسوقية وبطريقة غير لائقة قد تصل لدرجة البجاحة مع قدر معتبر من قلة الذوق أو انعدامه.
والشرشحة ليست بالضرورة توجيه شتائم للغير، بقدر ما هى أسلوب حياة. ولا يمكن إبقاء أصابع الاتهام فيما وصل إليه بعضنا اليوم من عوار سلوكى بعيداً عن منظومتى الدراما والتعليم. الدراما التى تدخل كل بيت من أفلام ومسلسلات شابها فى السنوات الماضية مكون «شرشحة» لا تخطئه عين أو أذن.
الاعتراض على الإفراط فى سوقية الكلام والألفاظ فى الأعمال الدرامية لا يعنى العودة إلى زمن «بونجور يا هانم» و«كومون سافا ياإكسلانس؟»، لكنها تعنى النظر بعين الاعتبار إلى قدرة الدراما الهائلة فى التأثير.
البعض يتحجج بأن الدراما تنقل الواقع، لكن هل يعنى ذلك أن تساهم الدراما فى مزيد من الانحطاط السلوكى؟ أم تحاول -دون وعظ وإرشاد- تصحيحه؟
أما الاتهام الثانى فموجه إلى منظومة التربية والتعليم التى أصابها ما أصابها من تجريف وتفريغ لمكون التربية منذ سبعينات القرن الماضى. والعجيب والغريب والمريب أن يتزامن أو يتواكب أو يتزامل التدنى السلوكى مع «الصحوة» فى المظهر الدينى. وهذا يحتاج تأملاً ودراسة تشرحه لنا بهدوء وبدون انفعال أو عصبية أو اتهامات تعتمد على الشرشحة والصوت العالى.