يوم جميل في أوبرا دمنهور

يوسف القعيد

يوسف القعيد

كاتب صحفي

دعتنى الدكتورة لمياء زايد، رئيسة دار الأوبرا المصرية، إلى لقاء يتم فى أوبرا دمنهور عاصمة البحيرة، المحافظة التى وُلِدتُ بها وعِشتُ سنوات عُمرى الأولى فيها. كانت فى استقبالنا هبة الأصولى، مدير أوبرا دمنهور، وتصادف أن الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، وهى من شباب البرنامج الرئاسى. التى تخوض تجربة مهمة فى إعادة بناء البحيرة اعتذرت عن عدم الحضور لوجودها خارج المحافظة.

أدار اللقاء المثقف ابن البحيرة كامل رحومة، الذى فضَّل البقاء بها عمره كله، وقاوم جميع محاولات الهجرة منها لينشر إبداعاته وكتاباته المهمة فى دور النشر الكُبرى بالقاهرة. بل إنه ينشرها فى دمنهور. ورغم نشرها هناك فقد وصلت للدنيا كلها.

حضر اللقاء الشاعر الكبير ابن دمنهور، الذى لم يغادرها صلاح اللقانى. والأديب والناقد ابن الضهرية بحيرة السعداوى الكافورى. وأدار اللقاء بينى وبين الحاضرين المثقف كامل مصطفى رحومة، ومن مؤلفاته: المقاهى الثقافية فى العالم مع التركيز على مقاهى دمنهور، مثل مقهى المسيرى، وكتاب: عبدالوهاب المسيرى وثقافة المكان، وكتاب: ولا واحد دمنهورى. ثم روافد القوى الناعمة، ودراسته التنمية المحلية رؤية لتجربة وجيه أباظة فى تأسيس البحيرة الحديثة.

وقبل أن أتطرق للقائى بجماهير دمنهور الذين أدهشنى لحد الذهول كثافة حضورهم أن دمنهور لا يوجد فيها فندق يُمكن أن أقضى ليلتى فيه. وأهيب بالمحافظ الجديد إقامة فندق يليق بتاريخ دمنهور حتى لو كان تابعاً للمحافظة إن لم يتقدم أحد أصحاب رؤوس الأموال لبنائه. فلا يُعقل أن أسافر بعد لقائى بأهل دمنهور إلى الإسكندرية للمبيت بها لمجرد عدم وجود فندق جيد بدمنهور. وأتذكر أن وجيه أباظة عندما كان محافظاً للبحيرة فكَّر فى إقامة الفندق. لكن الأولويات لم تُمكِّنه من ذلك.

أوبرا دمنهور توشك أن تكون نُسخة من أوبرا القاهرة. لكن المكان أصغر والإمكانيات أقل. فقد أُقيمت منذ سنوات بعيدة، ربما فى العصور الملكية. لكنها أوبرا تحمل اسم دمنهور، وتُقَدم فيها كل الفنون الأوبرالية التى تخطر على البال، أو ربما لا يتصورها الإنسان.

فَضلتُ أن أستمع لأسئلة الحاضرين أولاً. ثم يكون كلامى بعد ذلك. لأنى لو بدأت بالكلام عن نفسى فإن النرجسية الإنسانية المُركَّبة فى كل واحد منا، وأعترف أن بى قدراً منها، لن تترك للناس فرصة للكلام. ثم إن كامل رحومة جاء مُحملاً بدوسيه من الأوراق عنى وعن إنتاجى الأدبى «والعياذ بالله من كلمة أنا» وكنتُ راغباً بالاستماع إليه.

سألونى عن كتبى: نجيب محفوظ إن حكى، محمد حسنين هيكل يتذكر، الأحاديث المجهولة لجمال حمدان. وتحدثتُ وبسرعة عن علاقاتى بالثلاثة الكِبار الذين كان من حُسن حظى أن التقيتهم وتحاورت معهم وأصدرت ثلاثة كُتُب عنهم. ثم سألونى عن التجربة الأدبية والثقافية لثلاثة من مؤسسى الثقافة المصرية والعربية فى القرن العشرين: يوسف إدريس، وصلاح عبدالصبور، ولويس عوض.

ولأننى عرفتُ منهم أن نصف اللقاء الذى استغرق أكثر من ساعتين سيُنشر كاملاً. فلن أستغل المساحة فى ما قالوا وماذا كانت ردودى عليهم؟ خصوصاً أننى حدثت لى حالة من الشجن عندما سألونى عن صديق العُمر وتوأم الروح جمال الغيطانى. وقال لى أحدهم: هل كنت تغضب عندما كان يناديك الناس بجمال؟ قلت له: كلا. بل إننى على صلة حميمة بشقيقه اللواء مهندس السابق بالقوات المسلحة إسماعيل الغيطانى.

وقبل السؤال والجواب تحدث كامل رحومة عن الحياة الثقافية فى دمنهور، وعبدالوهاب المسيرى، وعبدالحليم عبدالله، وإسماعيل الحبروك، والدكتور مصطفى الفقى، وغيرهم من أبناء البحيرة الذين أبدعوا إبداعات أدبية أكثر من نادرة. بل إننى قلتُ لهم بصدق إن نجيب محفوظ الذى كتب عن القاهرة ولد بها وعاش فيها وكتب معظم نتاجه الأدبى عنها ينتمى لعائلة الباشا برشيد بالبحيرة. وأنهم تواصلوا معى ليزوروه ورحب نجيب بذلك، بل وأبدى استعداده للذهاب إلى رشيد. لكن قضاء الله وقدره كان أسبق منا جميعاً.

لقد قضيتُ بدمنهور سنوات من عُمرى، وعندما جئتُ إلى القاهرة كنتُ أبحث عن كل من خرج منها وأدركته حرفة الأدب، وأتواصل معه وأتعرف عليه لمجرد أننا ننتمى إلى دمنهور المدينة التى لعبت دوراً ثقافياً هاماً فى تاريخ الثقافة المصرية والعربية فى القرن العشرين.

إنها مدينة الأدباء فى بر مصر.