راقصة الخليفة.. والمستحيل
أصدر الخليفة المستعصم قراره بتعيين «مؤيد الدين بن العلقمى» وزيراً للدولة عام 642 هجرية، فى حين سقطت بغداد فى يد التتار عام 656 هجرية.
طيلة الأعوام الـ14 الفاصلة بين الحدثين كانت الدولة العباسية تعانى أشد المعاناة، بسبب ضعف أداء المستعصم وتفرغه للذاته وملذاته بعيدا عن أمور الحكم، ونتيجة الفتن الكثيرة التى كانت تقع ما بين السنة والشيعة داخل بغداد، كان آخرها ما وقع سنة 655، أى قبل عام واحد من سقوط بغداد، حين اندلعت فتنة عاتية بين الطرفين، نهب السنة على أثرها العديد من دور الشيعة، ومن بينها دور أقارب «ابن العلقمى»، ويشير «ابن كثير» إلى أن هذه الحادثة كانت من الأسباب التى دفعت الوزير إلى ممالأة التتار والترتيب معهم لدخول بغداد.
والحقيقة أن هذا الكلام مرسل ولا يوجد عليه أى دليل، فلم تكن تلك المرة الأولى التى تحدث فيها مثل هذه الفتن أو التراشقات بين الشيعة والسنة، بل كان ذلك من الأمور المعتادة التى يتفهمها الوزير جيداً، كما أن اتهام «ابن كثير» له بأنه كان من الشيعة المناصرين للعلويين مسألة فيها نظر.
توقف المؤرخون أمام «ابن العلقمى» واتهموه بالخيانة وممالأة التتار، ولم يستوقفهم فى المقابل أداء رأس الدولة، المتمثل فى الخليفة المستعصم، والذى انصرف عن إدارة الشأن العام وتفرغ للاستمتاع بحياته داخل قصر الحكم.
ويحكى «ابن كثير» أن التتار كانوا يحاصرون قصر الخلافة ويوشكون على اقتحامه، فى اللحظة التى كان يجلس فيها «المستعصم» داخله يلعب مع جواريه، ولم يتنبه إلى الخطر المحدق به إلا حين أصيبت جارية، كانت تلعب بين يديه وتضحكه، بسهم من سهام الأعداء، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولّدة تسمى «عرفة» جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهى ترقص بين يدى الخليفة، فانزعج من ذلك وفزع فزعاً شديداً.
كان «ابن العلقمى» واعياً بقدرات العباسيين فى مواجهة جيش هولاكوخان، الذى بلغ تعداده 200 ألف مقاتل، ويعلم عجزهم عن المواجهة، لذلك فقد نصح الخليفة بمصانعة هولاكو ومحاولة رشوته بالهدايا والعطايا والأموال، ولم يعجب هذا الرأى بعض أعضاء جهاز الحكم، فنصحوا الخليفة بغير ذلك، وطلبوا منه أن يرسل إلى هولاكو شيئاً يسيراً، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها «هلاكوخان» وغضب وأرسل يطلب بتسليم من نصح الخليفة بذلك، مما يشى بأن قصر الخلافة كان مخترقاً، وأن السر فى اختراقه ارتبط بالصراع الضارى الذى نشب حينذاك بين رجال الحكم، ومنهم الوزير «ابن العلقمى».
واقع الحال أن جهاز الدولة ككل كان يعانى أشد المعاناة فى عصر المستعصم، وكان «ابن العلقمى» يعلم كما يعلم غيره من أعضاء هذا الجهاز أن العباسيين غير قادرين على مواجهة التتار، لذلك حاول حل المشكلة معهم سلمياً، وتعامل بمنطق أن السياسة فن الممكن، لكنه لم ينجح فى ذلك، واستغله التتار لتمرير هدفهم فى إسقاط الدولة العباسية.
وربما يكون قد خالجه، بعد أن حدث ما كان متوقعاً وسقطت بغداد، أن يستعين بالتتار لتحقيق طموحات سياسية معينة كان يحلم بها، وكان ذلك ضيق أفق منه، لأنه كان يطلب مستحيلاً. فالتتار بقيادة هولاكوخان كانوا يرغبون فى السيطرة الكاملة على بغداد وبلاد المسلمين. وقد ظلوا كذلك حتى انكسرت شوكتهم على باب مصر.