«الزعيم».. نور إبداع كشف ظلام الإرهاب
الممالك لا تشترط مناسبة أو توقيتاً محدداً للكتابة عنها والإشادة بها. «الزعيم» عادل إمام هو مملكة إبداع قامت على قواعدها وقوانينها المميزة. تشكلت حدودها الممتدة من توليفة جمعت الموهبة، الذكاء الفنى، عشق المهنة، الثقافة التى منحت وعى الزعيم أبعاداً فنية، ثقافية، وطنية، شهامة و«جدعنة» ابن البلد المصرى التى لا تخطئها العين وسط آلاف الملايين، الالتصاق والتعبير عن هموم المواطن عبر مواقف فعلية تتناغم مع قناعاته مهما كان المقابل الذى سيدفعه ثمناً لها.
مع بدايات العمل الصحفى فى مؤسسة روز اليوسف أسعدنى الحظ بالانضمام إلى مجموعة منتقاة من الصحفيين المقربين إلى عادل إمام، حيث لا يتغير موعد ومكان اللقاء الذى يجمعنا به فى المقهى الشهير الذى يحتل إحدى نواصى ميدان الثورة.. صالون إعلامى، ثقافى، فنى، يجمع مختلف الرؤى. تفاصيل بسيطة عبر حوارات عديدة معه تكشف أن أحد أسباب صعود الفتى الناشئ الذى ظهر «كومبارس» عام 1962 فى مسرحية «ثورة قرية» ليصبح ظاهرة استثنائية فيما بعد، هو ببساطة الروح التى تفيض بالمشاعر الإيجابية تجاه كل ما حوله. موقف عابر ضمن ما رواه عن البدايات، أثناء سيره مع صديق على أحد الكبارى لمحا سيارة فارهة يقودها شاب بجواره فتاة جميلة. تعليق الصديق تلقائياً كان أمنيته الحصول على مثل هذه السيارة التى تعكس ثراء صاحبها، بينما جاء رد فعل عادل فى رؤية تفاصيل المشهد بكل ما يحمله من جمال، فى المشاعر بين الشاب والفتاة على خلفية النيل الساحرة فى لحظة غروب الشمس. هذه السمة الشخصية شكلت عادل إمام فنياً، إذ لم يكن التحدى عنده موجهاً نحو الغير، فالمسار الوحيد الذى حكم خطواته الفنية هو هاجس البناء على كل خطوة دفعت به إلى البقاء على القمة وتطوير لمساته الإبداعية فى كل عمل لإضافة المزيد إلى البريق الذى أحاط الزعيم عبر عقود.
ردود فعل الزعيم تجاه قضايا مصر لم تكن فى حاجة إلى استدعاء. المبادرة كانت تأتى منه فورياً تجاه أى حادث إرهابى يمس أمن مصر وكرامة مبدعيها، هو الذى بادر بالإعلان عن استعداده للذهاب إلى أسيوط عام 1988، ودخل عرين الجماعات الإرهابية حين قدم عرضاً لمسرحيته «الواد سيد الشغال» تضامناً مع إحدى فرق الهواة المسرحية فى قرية «كودية الإسلام» بعد تعرضها للاعتداء من قبَل جماعة الإرهاب. وفعلاً انتقل بكامل فرقته المسرحية إلى هناك لتقديم العرض. إثر تفجير مقهى وادى النيل عام 1993 من قبَل جماعة الإرهاب تشكلت فى روز اليوسف خلية عمل لتنظيم مهرجان فنى ضخم احتفالاً بانتهاء ترميم المقهى. ظهور «الزعيم» على خشبة المسرح المقام أمام المقهى كان له أثر طاغٍ فى إشعال حماس عشرات الآلاف ممن احتشد بهم ميدان التحرير. مواقف نابعة عن صدق ووعى شديدين. عادل إمام رفض المساس بكرامة الفن أو الزج به فى مهاترات التحريم.. إذ غالباً ما كرر «أرفض قطعياً كل دعاوى تحريم الفن كما أرفض زعم أنى أعول أسرتى من مال حرام».
الملاحظة التى يتوقف عندها كل المقربين من حياة عادل إمام الأسرية دور الزوجة السيدة هالة الشلقانى. هى فى الأسرة «الدينامو» الذى لا ينقطع عمله فى إدارة وتنظيم كل التفاصيل التى توفر للزعيم الجو الأسرى المثالى. هى اليد الحانية التى سخَّرت حياتها لدفع الزوج منذ خطوات البداية حتى بلغ المكانة الاستثنائية فى قلوب جمهوره. زوجة وأم لم تغفل لحظة عن أدق وأبسط مهام دورها. أمام إصرار عادل إمام على تقديم فيلم «الإرهابى»، لم تُخفِ ردود فعلها الحائرة بين الخوف والإشفاق على الزوج وهى تسعى إلى إثناء عادل عن قبول الفيلم. لكن إصرار الزعيم حسم الموقف، ما وضع اسمه متصدراً قوائم اغتيالات أعدتها الجماعة الإرهابية. عندها طلبت وزارة الداخلية من عادل تخصيص حراسة لمرافقته، كما انتقل مكان اللقاء الذى يجمعه مع الأصدقاء من الركن الذى يشغله المقهى على الرصيف إلى الدور الأول منه. رسوخ واستمرار حالة عادل إمام الفنية الفريدة يكمن فى ارتباطه بنبض وهموم الشارع المصرى. إذ دائماً تنبع اختياراته الفنية ومواقفه من الانحياز إلى قاعدة شعبية ارتبطت به وصدَّقته. أخيراً تبقى روعة السحر الخاص الذى يحيط عادل إمام قدرته على تحويل أى مشهد مسرحى عادى أو لقطة سينمائية عابرة إلى متعة تحمل للمشاهد كل مقومات السعادة.