«نتنياهو» و«الفعالون من غير الدول»

بلال الدوي

بلال الدوي

كاتب صحفي

بتاريخ ١١ مايو الماضي، كُنت قد كتبت مقالاً بعنوان «نظرية الدومينو تُهدد الشرق الأوسط» وحذرت من إقدام بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى على فتح عدة جبهات للمواجهة مع أطراف عِدة وقُلت: إن هذا النهج يُنبئ باتساع دائرة الصراع ويُهدد أمن دول الشرق الأوسط جميعاً.

«نظرية الدومينو» في العلوم السياسية مُستوحاة من لعبة الدومينو وملخصها يقول: إذا قُمنا بوضع قطع الدومينو بجوار بعضها فى وضع أفقى مُنسق وسقطت قطعة ستُسقطهم جميعاً.. بمعنى: إذا تأثرت قوة من القوى المتصارعة ستؤثر على القوى بأكملها، وقتها سيشتعل الموقف فى العالم، وهذا يتم تفسيره بـ: اتساع دائرة الصراع ليس فى منطقة الشرق الأوسط فقط بل سيمتد تأثيرها على جميع دول العالم، وهذا ما نُحذر منه جميعاً.

اشتعل قطاع غزة بمواجهات حركة حماس وإسرائيل، تدخلت قوى إقليمية قالت عن نفسها إنها تقود ما تُسميه بمحور المقاومة، وهذه القوى لديها وكلاء فى قلب المنطقة، ويُقدَّر عدد الوكلاء بـ٥ وكلاء، أصبح هؤلاء الوكلاء بمثابة مراكز قوى فى دولهم، لهم تنظيمهم وتسليحهم، يتدربون على السلاح عينى عينك، لديهم خطط مدروسة للهيمنة على مقدرات هذه الدول، لديهم دعم إعلامى غير طبيعى، أصبحوا مشاركين فى صنع القرار داخل الدول بل أصبحوا هُم صانعى القرار الفعليين، الأمم المتحدة تعمل لهم ألف حساب، يقال عنهم (الفعالون من غير الدول).. والأهم من كل هذا أنهم: يتحركون بإشارة واحدة من الأصبع الصغير لأحد القيادات العسكرية فى القوى الإقليمية، يتحركون لتنفيذ أجندة القوى الإقليمية ووفق معايير لا يعرفها سواها ولخدمة مصالحها وأهدافها، وليس وفق أجندة بلادهم الذين يوجدون على أراضيها.

مواجهات إسرائيل مع «حركة حماس» فى قطاع غزة أشعلت المواجهات بين «الحوثيين» فى اليمن وإسرائيل ونشب بينهما صراع ومواجهات صاروخية، وتدخل -أيضاً- «حزب الله اللبنانى» فى مواجهات مع إسرائيل، ولم يعد هناك أدنى شك من أنه سيأتى يوم لن يتم فيه الاعتداد باتفاق وقواعد فض الاشتباك بينهما نتيجة زيادة التوتر على الحدود، وقام عدد من «الميليشيات العراقية» بالدخول فى مواجهات مع إسرائيل، وأعقب ذلك دخول «ميليشيات فى سوريا».. فى هذه الأثناء كان السؤال: هل ستزداد رقعة الصراع وستنتشر المواجهات وستؤثر على أمن وسلامة واستقرار المنطقة؟، بمرور الوقت اختلف السؤال وأصبح سؤالاً صعباً ومُعقداً وتحوّل إلى: هل نحن بصدد حرب عالمية ثالثة قادمة؟

المؤشرات تقول: اتسعت دائرة الصراع، كل يوم ندخل فى منطقة خطيرة للصراع ونصل لنقطة أخطر لم نكن نرغب فى الوصول إليها، لذلك أصبح الهدف هو وقف إطلاق النار فى قطاع غزة حتى نُطفئ نيران المواجهات فى أكثر من منطقة، وبمعنى أصح: لو توقفت المواجهات فى قطاع غزة ستنخفض حدة التوترات فى مناطق أخرى، قلب المواجهات فى غزة لذلك لا بد من التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وإتمام صفقة تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية لإنقاذ أهالى غزة من مجاعة على مقربة من الانتشار فى شمال غزة وجنوبها.

عودة الجانبين -الإسرائيلى وحماس- للمفاوضات ستُجنب منطقة الشرق الأوسط الدخول فى مطحنة عسكرية لا تُبقى ولا تذر وستُنهى صفحة يريد «نتنياهو» أن تستمر ونريد نحن أن نطويها ونغلقها ونفتح صفحة جديدة، حاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة فى المنطقة توحى بأن الصراع سيتم تفاديه والمواجهات لن تحتدم أكثر من ذلك.

لكنها فى حقيقة الأمر لا تفعل شيئاً سوى حماية إسرائيل فقط وليس لها دور فى إيقاف تمادى «نتنياهو» فى الاستمرار فى المواجهات مع الوكلاء الخمسة الذين يواجهونها، لأن على ما يبدو فإن «نتنياهو» يريد إسقاط قطعة دومينو على قطع الدومينو الأخرى، فنجد أن هذه القطعة التى أسقطها «نتنياهو» تُسقط جميع قطع الدومينو لتشتعل الحرب أكثر وأكثر وتزيد حدتها وتستمر أطول فترة ممكنة.