حرب الجواسيس بين إيران وإسرائيل
اشتعلت المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، وخرجت عن إطار ما سمى بقواعد الاشتباك بعد تفجيرات «البيجر واللاسلكى» والتوسع فى عمليات الاغتيال السياسى لقادة «الرضوان»، والإغارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، أحد معاقل حزب الله، لتصبح حرباً مفتوحة، خاصة مع استهداف الحزب لمدى أكبر، فى محاولة الرد على الإهانة السيبرانية الإسرائيلية برشقات صاروخية استهدفت الجليل وحيفا، واستمرار العاصفة الإسرائيلية الصاروخية العنيفة على قرى الجنوب اللبنانى، مع ترقب لاحتمال اجتياح برى فى أى لحظة.
ويتوقع مسئولون أمريكيون حصول تصعيد خطير خلال الأيام القادمة. وأشاركهم هذا التوقع، مع دعواتنا بالسلامة للشعب اللبنانى الشقيق، وبأن تتدخل عناية الله وتحفظهم وتمنع تطور هذا التصعيد الخطير.
يجرى ذلك فيما انتقل الصراع بين إيران وإسرائيل إلى ساحة جديدة خلال الأيام الماضية، ووصل إلى ما يمكن أن نسميه بـ«حرب الجواسيس»؛ حيث أعلن جهاز الأمن العام الإسرائيلى (الشاباك) عن إحباط «مخطط إيرانى» لاستهداف شخصيات إسرائيلية بارزة، فى مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية متعددة أفادت بأن «إيران قامت بتجنيد رجل أعمال يهودى إسرائيلى فى السبعينات من عمره»، وأنه «سافر مرتين إلى إيران، وطالب بمليون دولار وتسلمها قبل تنفيذ المهام».
أما الحرس الثورى الإيرانى فقد أعلن عن اعتقال 12 شخصاً بتهمة التجسس لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلى «الموساد»، واتهم الأفراد المعتقلين بمحاولة جمع معلومات سرية فى ست محافظات إيرانية وإرسالها إلى الموساد. ويمكن أن يواجهوا عقوبة الإعدام إذا تمت إدانتهم، وذلك بحسب ما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».
وجدير بالذكر أنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام، فى مارس الماضى، فى أحد عملاء الموساد الذى اتهم بالتخطيط لهجوم على منشأة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية.
وتجرى على قدم وساق محاولات التجنيد المتبادل للجواسيس للعمل ضد مصالح البلدين، بعد أن انتقل الصراع بين إسرائيل وإيران منذ «طوفان الأقصى» إلى «صراع وجود» كما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى أكثر من مناسبة.
وقد كشفت عمليات متعددة جرت خلال العام الأخير عن تفوق إسرائيلى فى المضمار الاستخبارى، بلغ ذروته بنجاح عملية اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى لحركة حماس، فى قلب العاصمة طهران، كما أظهرت عملية «البيجر» وما تلاها من عمليات على الجبهة اللبنانية عن اختراق مؤثر داخل صفوف حزب الله، وتفوق واضح لجهاز الموساد الإسرائيلى، ورغم ذلك فإن القلق الإسرائيلى كبير من قدرات إيران على تجنيد عملاء لها من داخل إسرائيل.
وكانت «القناة 12» الإسرائيلية قد كشفت عن حملة أطلقتها المخابرات الإيرانية لتجنيد عملاء لصالحها داخل إسرائيل، مستخدمة مواقع ويب مزيفة ورموزاً إسرائيلية لإغراء المواطنين الإسرائيليين والإيرانيين والسوريين واللبنانيين الذين يشتبه فى عملهم مع أجهزة استخبارات أجنبية، حيث كشف المحققون استخدام العشرات من المواقع الإلكترونية الملفقة وصفحات على شبكات التواصل وكذلك أرقام هواتف إسرائيلية.
وبحسب يوسى ميلمان، المحلل الاستراتيجى فى صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، فإن: «قضايا التجسس من قبَل إسرائيليين لصالح المخابرات الإيرانية تثير القلق للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لأن هناك من اليهود من هم على استعداد للعمل فى مهام سرية مقابل أموال لدولة معادية، مما يعد صدمة للمجتمع الإسرائيلى وسط حالة الاستقطاب والانقسامات التى تفككه».
وقدر «ميلمان»، بحسب ترجمة مقاله الذى نشر على موقع «الجزيرة»: «أن جهود المخابرات الإيرانية المتواصلة على مدى سنوات طويلة، التى تصاعدت خلال العام الأخير، تعكس تطلع طهران لتوسيع دائرة شبكة العملاء والتجسس التى تعمل لصالحها داخل إسرائيل».
وأوضح المحلل الاستخبارى والاستراتيجى أنه لا ينبغى التقليل من محاولات أجهزة المخابرات الإيرانية لتجنيد عملاء للنشاط داخل إسرائيل، خاصة عندما يكون جل نشاطها واهتماماتها اليهود الذين يعيشون فى إيران.
ولعل أشهر قضايا التجسس بين البلدين، هى عملية تجنيد مسئول إسرائيلى كبير للعمل لصالح إيران، والتى تم كشفها سنة ٢٠١٨، وكان العميل هو الوزير الإسرائيلى السابق غونين سيجيف، الذى شغل منصب وزير الطاقة فى حقبة التسعينات، واعترف سنة ٢٠١٩ بجريمته فى إطار صفقة قانونية مع جهات التحقيق لإسقاط تهمة الخيانة عنه.
وتستمر الحرب بين العدوين اللدودين، اللذين كانا صديقين حميمين حتى أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه، وصعد آيات الله لحكم إيران فى سنة ١٩٧٩، وبقيت العلاقات مرتبكة بين البلدين حتى بعد تأسيس حزب الله سنة ١٩٨٢، فلم يكن الطموح الإيرانى للتمدد فى المنطقة قد اتضح.
كما أن معاداة إسرائيل كانت لم تتبلور بشكل قاطع، فقد اشتعلت الحرب العراقية - الإيرانية لتمتد حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضى، وتخرج منها إيران مهزومة، وتقرر تعويض خسارتها بتصدير الثورة فى كل أنحاء الشرق الأوسط.
وينطلق الصراع بين البلدين عندما تتجه إيران لتنفيذ مشروعها النووى فى التسعينات، لنصل إلى المواجهة الكبرى فى ٢٠٢٤، عندما تتكاتف الأذرع الإيرانية فى دعم غزة بعد الطوفان فيما سمى بـ«حرب الإسناد»، وهو ما دفع نتنياهو ليقول إنه يحارب إيران فى سبع جبهات، وهو ما يعكس تغلغل النفوذ الإيرانى فى أوصال خمس دول عربية هى: العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين (غزة والضفة).
ولكن، كيف ستنتهى المعركة بين إيران وإسرائيل، قطبى الشرق الأوسط الجديد؟، ومتى؟، وهل لنا أن نطمح ونحن ضحايا هذه الحرب من الشعوب العربية أن نلتمس من شعوب العالم الحر أن يتدخلوا لإنقاذ ما تبقى من أشلاء الجسد العربى الاسير؟