«النداء الكئيب» وقراءة في عقل «مجنون»
«اختلف ما شئت مع حماس أو حزب الله أو أى من فصائل المقاومة الإسلامية (أذرع إيران فى العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين)، لكن لا تسخر من سعيهم وجهادهم فى سبيل الله ونصرة الحق ومحاربة العدو الصهيونى، لا تجلس خلف «الكيبورد» تحاكم من يطاردهم الموت فى كل لحظة مستقبلين الشهادة ببطولة وجسارة وكبرياء، إيماناً منهم بالله وبما يقومون به».
السطور السابقة أرسلها لى شخص مجهول عبر إحدى تطبيقات التواصل الاجتماعى، اعتراضاً مهذباً منه على فقرة الختام فى مقالى السابق «سهام الشمال وتمهيد الأرض»، والتى أعتبرها ساخرة، وأظنها - وقصدتها - لاذعة ومعبرة ماكرة.
وقد أضفت على رسالته بعد التصحيح اللغوى، توصيفاً وتصحيحاً بين قوسين لما سماه «المقاومة الإسلامية»، والتى تأسست بأموال إيران من أجل خدمة أجندتها السياسية، وتم خلق أدوار نضالية لهذه الفصائل المسلحة فى كل موقع تم زرعها فيه وفق الظرف السياسى الحاصل فى بلد المنشأ، لتؤسس انتقاصاً من قدر الدول الوطنية وعلى حساب استقرارها وأمن شعوبها.
ولهذا ولأسباب أخرى فقد رفضت وجودها، اتساقاً مع رفضى لكل جماعات الدين السياسى، وفى مقدمتها جماعة «الإخوان المسلمون» الحاضن الرئيسى لمشروعات الإسلام السياسى فى العالم ومن بينها مشروع الملالى الإيرانى.
استقبلت الرسالة متفهماً مشاعر كثيرين يحزنهم ما يجرى للأشقاء فى فلسطين ولبنان، وهو أمر أقدره، لكن بمناسبة الحزن على الأشقاء؛ لماذا لا ألمس مساواة فى مشاعر الحزن مع أشقاء آخرين لا تقل معاناتهم عما يجرى فى غزة والضفة وبيروت والبقاع وبعلبك؟.
لماذا لا نسمع بنفس الاهتمام عن الفاشر ونيالا والخرطوم وأم درمان، ولماذا ألمح حزناً عميقاً على الأشقاء فى لبنان وسبقه حزن أكثر عمقاً على أهالينا فى غزة، ولا أجده بنفس القدر مع السودانيين؟، هل وجود إسرائيل هو ما يمنح المعركة بطولة (شعبوية) ويعطى دماء الضحايا شرفاً لا يصل إليه ضحايا الحروب الأخرى؟
ربما كان هذا خاطراً هامشياً فى لحظتنا المرعبة داخل إقليمنا الغارق فى كوارثه، وإن كان يتسق مع فكرة الجنون التى مست المقال من حرفه الأول وحتى الخاتمة، وكنت قد نويت تخصيصه لمناقشة (سيد العاقلين) جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق، فى بعض ما جاء فى مقاله الأخير المنشور على «إندبندنت عربية»، والذى بدأه مشيراً إلى أنه «وبالنسبة إلى الأمريكيين يُعد مقتل القيادى البارز فى حزب الله إبراهيم عقيل ذا أهمية خاصة، فهو المسئول عن تفجيرات السفارة الأمريكية غرب بيروت عام 1983، وفى الأقل تحققت العدالة بمقتله وإن بصورة جزئية».
وهى إشارة مهمة تجدد تذكيرنا بقيمة إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وطبيعة الدور الذى تلعبه فى الظاهر وفى الخفاء لخدمة مصالح الإمبراطورية الأم، والذى تجيده تل أبيب ببراعة، وتختار أوقاته بعناية لتدغدغ مشاعر الأم (الحنون)، لهذا جاءت عملية الاغتيال التى أشار لها بولتون كافتتاحية تعبّد الطريق أمام المشروع الجديد فى الجنوب اللبنانى، وتمنع أى صوت رافض فى الإدارة الأمريكية لأن يعلو فوق صوت «سهام الشمال» التى انطلقت نحو هدف لا يعلم مداه إلا نتنياهو وبعض من أعضاء «الكابينت» الإسرائيلى.
ويصف بولتون لحظة الصفر التى بدأت بها المعارك فى لبنان بـ«النداء الكئيب» تعبيراً رمزياً عن تفجيرات «البيجر واللاسلكى» التى أربكت خطوط حزب الله ومنحت إسرائيل الفرصة لتنقض على قواته فى سائر المدن والقرى اللبنانية. وملخص المقال الذى عنونه كاتبه بـ«إيران فى خطر بعد هجوم البيجر»، قائلاً: «وعلى الرغم من أن المستقبل لا يزال غير مؤكد فإن هذه اللحظة تمثل فرصة مثالية لإسرائيل لتصعيد عملياتها الانتقامية ضد طهران ووكلائها الإرهابيين، رداً على استراتيجية حلقة النار الإيرانية والآن قد يواجه البرنامج النووى الإيرانى أعظم تهديد له على الإطلاق».
ونبرة التصعيد الواضحة فى مقال بولتون تتعارض مع سياسة بلاده الحالية الساعية للتهدئة فى الشرق الأوسط ومنع اتساع رقعة الحرب فى لبنان، لكن بطبيعة الحال فهى تتفق مع انتمائه الجمهورى وكونه واحداً من «المحافظين الجدد» هواة الحروب وتغيير الأنظمة بالقوة، خلافاً لعمله السابق مع الرئيس الجمهورى دونالد ترامب، هو أيضاً صديق مقرب من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، وهو ما يمنح كتاباته أهمية خاصة، فهى كتابات تبشيرية تمهد لما هو قادم، وتحمل بين سطورها شفرات خاصة يقدرها أهل الفكر والبحث.
ونصل إلى خاتمة المقال (المجنون) والتى تحمل مفاتيح مهمة لما يفكر فيه الرئيس المحتمل (الجمهورى) ورفيقه مجرم الحرب الإسرائيلى نتنياهو، حيث يقول بولتون: «لا يزال الملالى فى طهران التهديد المركزى للسلام والأمن فى الشرق الأوسط، ومع إضعاف وكلائهم الإرهابيين بصورة مستمرة، ترتفع احتمالات شن هجمات مباشرة على الدفاعات الجوية الإيرانية ومنشآتها لإنتاج النفط والغاز، إضافة إلى القواعد العسكرية، وحتى برامجها للأسلحة النووية والصواريخ الباليستية».
ثم ينتقل مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق إلى الجزء المكمل من مخطط إسقاط الحكم فى إيران، بإثارة الفوضى فى الداخل واستغلال موقف «الإيرانيين الغاضبين بصورة متزايدة من رجال الدين المهتمين بالتطرف الدينى أكثر من رفاهية مواطنيهم»، موضحاً أن «المعارضة الداخلية للنظام ستزداد»، مفجراً «السؤال الملح: هل ستصمد الثورة الإسلامية فى إيران بعد رحيل مرشدها الأعلى الحالى؟».
فهل اقتربنا من لحظة المواجهة بين إسرائيل وإيران كما يبشرنا جون بولتون؟، وإلى أى مدى يقدر نتنياهو على التصعيد فيما تبقّى من شهور تفصلنا عن وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض؟
ربما يمنّ الله علينا بإجابات قبل أن تتحول لبنان إلى غزة كما حذر أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة.