مذكرات مراسل في حرب لبنان 2006

مصطفى كفافي

مصطفى كفافي

كاتب صحفي

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه تفاصيل ما أراه على شاشات الأخبار يحدث بالجنوب اللبنانى الآن بحرب تموز 2006 التى شرفت بتغطيتها كمراسل على شاشة النيل للأخبار فى سنواتها الذهبية، ولم يتعد عمرى وقتها خمسة وعشرين عاماً، حرب بدأت حين تمكن رجال حزب الله من اختطاف جنديين إسرائيليين من حدود لبنان الجنوبية بهدف تحرير عدد من الأسرى فى سجون الاحتلال وعلى رأسهم سمير القنطار، كلفت وقتها بالسفر إلى بيروت عبر طائرة النقل العسكرية الـc130.

حيث كنت مصاحباً للمساعدات الإنسانية المصرية لضحايا الحرب هناك، استمرت الطائرة بالتحليق أكثر من ثلاث ساعات فى رحلة لا تتعدى ساعة واحدة تفادياً للقصف الإسرائيلى وقتها على أحياء الضاحية الجنوبية.

تزاحم السيارات فى طوابير طويلة بجوار محطات الوقود كان أول مشاهد العاصمة بيروت التى استقبلتنا بعد الوصول، فى الطريق كانت حديقة (الصنائع) ممتلئة تماماً فى خيام نصبت لاستقبال النازحين الفارين من جحيم القصف بالضاحية الجنوبية.

تلمح عيناك بين الحين والآخر عمود دخان ضخماً مرتفعاً من هناك أو كابلات كهرباء مهدمة أو حفراً عميقة وسط الطريق لقذائف يتفاداها السائقون خشية الوقوع فيها.

أول ليلة ذهبت للفراش حوالى الحادية عشرة مساء، بدأ القصف من البوارج البحرية المصطفة على ساحل بيروت ومن الطيران الإسرائيلى فى حدود الواحدة صباحاً، ولم يتوقف حتى الرابعة فجراً. ذهبت بعدها صباحاً إلى الضاحية الجنوبية لتصوير ما طاله القصف، نزلت من على طريق مرتفع للأسفل نحو أحد مقار حزب الله المهدمة، وأجريت لقاءات مع عمال الإنقاذ، وذهبت أعلى الطريق لتكون البناية فى خلفيتى من أجل ختام التقرير، فوجئنا بقذيفة من السماء تهبط على المبنى المنهار مرة أخرى.. أنظر خلفى فأجد عمال الإنقاذ الذين صورت معهم منذ دقائق استشهدوا وهم يحاولون إنقاذ من كانوا وسط الحطام.

القذائف هنا لا تفرق بين مدنى أو عامل إنقاذ أو صحفى. وحدها كانت الدقائق فاصلة بينى وبين الموت وسط حطام هذا المبنى الذى قُصف مرتين، فى محيط الضاحية تنتشر على الأرض منشورات جيش الاحتلال التى يلقيها من الطائرات، والتى تدعو السكان للمغادرة وتضع هواتف للإبلاغ عن أى معلومات متعلقة بقادة حزب الله، بعدها بأيام قصف حزب الله البارجة البحرية الإسرائيلية ساعر خمسة، واستطاع إبعادها عن الساحل اللبنانى، وبعد نحو شهر صدر قرار وقف إطلاق النار.

ذهبت للحرب من أجل تغطية فعاليات المستشفى الميدانى المصرى على حد أقصى 3 أيام.. ولبثت أكثر من شهر. وعند عودتى لم أستطع النوم لشهور متواصلة. كنت أستيقظ فيها فجأة وأنا أسمع صوت الانفجارات فى الحلم، وعلى الرغم من أن إسرائيل أفرجت بعدها عن سمير القنطار فى صفقة ضمته مع أربعة أسرى مقابل جثتى الجنديين الإسرائيليين عام 2008، إلا أنها اغتالته فى دمشق بعدها عام 2015.

المؤكد هنا أن الحرب ليست نزهة، وأن ما فعلته بالمبانى والمنشآت والجسور ومحطات الكهرباء ظل سنوات بعدها عصياً على الإعمار، وأن الإفراج عن قيادة من قيادات المقاومة اللبنانية من السجون الإسرائيلية كان مؤقتاً قبل قصف البناية التى يقيم فيها بعدها بسنوات، وأن الدول التى تضم حركات مقاومة مسلحة أكبر من مؤسساتها ستظل رهينة لقرار هذه الحركات ومن تأتمر بأمرهم من الخارج حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً.