الدين في خدمة الشعب

أحمد عمر

أحمد عمر

كاتب صحفي

في كتابه " الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي " أشار المفكر اللبناني جورجي كنعان إلى حقيقة مهمة، وهي " أن الدين قوة محركة في الكيان الاجتماعي، لا يخلو مجتمع من ممارستها، إلا فيما ندر". وأضاف حقيقة أخرى، تمثل إشكالية لابد من التصدي لها بشجاعة، والسعي إلى حلها، وهي أن تلك الممارسة، أحيانا ما تأتي على حساب جوهر القيم والفضائل والمفاهيم الاجتماعية والإنسانية، مُرجعا السبب في ذلك، إلى الثقافية السائدة، والمؤسسات السياسية القائمة، وتوظيفها الدين في خدمة أغراضها. وهذا يعني أن غياب مفاهيم الإخوة الإنسانية عن مقولات الدين الأساسية، وتمركز المتدين حول ذاته، وأفكاره، وتصوراته الدينية، وطائفته، ومؤسسات الدين الخاص به، ثم توظيف السلطة السياسية أو الجماعات المختلفة كل ذلك، في خدمة مصالحها، وتحقيق أهدافها، يؤدي إلى الجور على القيم والفضائل الاجتماعية والإنسانية، ويُسقط إنسانية الدين، ودوره في خدمة الجماعة البشرية، ويؤدي لاحقًا إلى ثورة الإنسان على الدين ذاته، والنظر إليه بوصفه أحد أهم مسببات الفرقة والصراع بين البشر. وقد أدرك الراحل الأستاذ خالد محمد خالد، بوعيه الديني والإنساني المُتقدم، هذه الحقيقة وتلك الإشكالية، قبل سنوات من جورجي كنعان، فرأيناه غداة قيام ثورة يوليو 1952، يُسجل بعض الأحاديث للإذاعة المصرية، لتصحيح الأفكار حول الدين ومفاهيمه، ووظيفته، ثم قام بإصدارها في كتاب حملت طبعته الأولى والثانية عنوان " الدين في خدمة الشعب"، ثم آثر في طبعته الثالثة وطبعاته اللاحقة أن يكون عنوانه " الدين للشعب ". وما أحوجنا اليوم، في سياق حديث مؤسسة الرئاسة، ومؤسسة الأزهر، وجماعة المثقفين عن ضرورة تجديد الفكر الديني، لإعادة طبع ونشر وقراءة هذا الكتاب؛ لأنه يُعالج بلغة بسيطة قضايا مهمة، ويخاطب العقل والقلب معًا، ويُحاول صياغة وعي جديد بالدين، يؤكد على بعده الإنساني. فنراه في حديثه الأول، الذي حمل عنوان " حقوق الإنسان من حقوق الله " يقول: "غايتنا في هذه الأحاديث أن نزود الوعي الجديد بمبررات دينية صادقة، ونضع أمام عقل الشعب وقلبه، المفاهيم الحقة لكلمات السماء، وغايتنا أيضا أن ننفي عن الدين عبث العابثين، ولغُو المبطلين، حتى يفئ إليه أولئك الذين شردوا منه أو كادوا، وحتى يأنس الناس إليه في يقين وحب، ويتخذوا منه في رحلة الحياة رفيقا وعضدا". ثم يعرض بعد ذلك بالدليل من العهد القديم، والعهد الجديد، والقرآن الكريم، ومن سيرة وأقوال الأنبياء، موسى وعيسى ومحمد، فكرته الأساسية التي تؤكد على الزمالة الأبدية بين دين الله، وحقوق الإنسان، وأن توقير الله ورعاية حقوقه، يقتضيان توقير الإنسانية، ورعاية حقوقها. وفي حديث ثان، يؤكد أن لا أقطاع في دين الله، ومن من رسل الله عليهم السلام، من يُسيغ ضميره الحي التقي، أن تملك الأرض فئة باغية عاطلة، وتملك مع الأرض الهواء والماء والبشر، تُجنى إليها ثمرات كل شيء، ويُحرم المُجهدون في سبيلها من كل شيء. ثم يُنكر بالدليل على بعض المتحدثين الرسميين باسم الإسلام، إصدارهم فتاوى تزيد في ضراوة الاستغلال والاقطاع، وتُمكن قبضته الآثمة من أعناق الملايين التعسة، وتُضفي على الظلم الاجتماعي ألوانًا من المشروعية والتقديس. وتتوالى الأحاديث بعد ذلك، لتصل إلى اثنين وعشرين حديثًا، تحمل عناوين عظيمة الدلالة على مضمون الكتاب، منها: حق الشعب في أن يحكم نفسهَ، بنفسهِ، لِنفسه، حق الشعب في الحرية والسلام، حق الشعب في المساواة، حق الشعب في المقاومة والمعارضة، الناس أخوة، فلنفسح الطريق للكلمة، كل شيء للإنسان، واحترام الحياة. وهي أحاديث يُعالج فيها قضايا وموضوعات عظيمة الأهمية في حياة ومصير الشعوب، ثم يُغمرها بضوء الدين بكل ما يمثله الدين من شُمول، ليثبت أن تعاليم الأديان، وتوجيهات الأنبياء، تتزامل في درءِ الضر عن البشرية، وتُجاهد في سبيل تثبيت خُطاها على طريق الخير، والتقدم، والصلاح.