هل سُرق نشيدنا الوطني؟
احتضنت نقابة الصحفيين المصريين مؤخراً ندوة لمناقشة كتاب «سيد درويش المؤلف الحقيقى للنشيد الوطنى.. وقائع سرقة معلنة» للكاتب الصحفى خيرى حسن، وشرُفت بكونى من المتحدّثين الرئيسيين فيها. وقد جاءت الندوة فى سياق فعاليات معرض الكتاب الذى نظمته النقابة، فاحتشدت دور النشر المصرية فى أروقة مبناها الشامخ فى شارع عبدالخالق ثروت، فى مشهد بديع يعكس الدور الأصيل للنقابة العزيزة على قلوبنا، والتى لا تزال وستبقى قلعة الكلمة وحارس الحرية.
تحمّست للمشاركة فى الندوة تقديراً لزميل عزيز يجتهد دائماً فى التقاط أفكاره وأطروحاته وتتميز كتاباته بالعمق والإبداع، كما تصادف أن موضوع الندوة اشتبك مع ما انشغلت به مؤخراً والمتعلق بـ«أزمة العقل العربى»، والذى كان موضوعاً لمقالاتى الثلاثة السابقة، وقد لامس الكتاب وقضيته عصباً عارياً يتعلق بأمرين يرتبطان بشكل وثيق بحديثنا عن الأزمة.
أما الأمر الأول فيتعلق بالظلم البين الذى تعرّضت له سيرة فنان الشعب سيد درويش، الذى كانت له أسباب متعدّدة، أبرزها موقفه السياسى وانتماؤه القوى للمشروع الثورى المصرى سنة ١٩١٩، وهو ما وصمه بـ«شرف النضال الوطنى ومناهضة الاستعمار»، فقد كان شرف المقاومة بمثابة وصمة عار تجلب الكدر والمعاناة لصاحبها، وكانت تلك هى الورقة التى نكلت بسيرته حياً وميتاً، واستغلها منافسوه من الموسيقيين وأهل الفن ممن تجاوزهم بإبداعاته، متفوقاً عليهم بألحانه، فأوغر هذا صدورهم، فكادوا له بالوشايات وألفوا من الأكاذيب عنه حكايات، لافتين نظر المحتل إلى أن أغانيه محرّضة وتوقظ الحس الوطنى عند المصريين، وموسيقاه أصيلة ونابعة من عمق وجدانهم، لهذا فهى محفورة فى قلوبهم وكأنها وشم لا ينمحى، خالدة إلى الأبد.
وكانت أغانى درويش وحياته هدفاً مرصوداً من الاستعمار الإنجليزى، فحرص، وباستخدام عملائه، على تلطيخ سيرة فنان الشعب وتشويه سمعته، وحبسه فى إطار غير أخلاقى، ربما يحدث ذلك أثراً سلبياً فى نفوس المصريين، لكنه بالعكس فقد زادته قصص النساء والمخدرات واللهو جاذبية وشعبية، جعلت منه أسطورة.
وأرى أن «السرقة المعلنة» الحقيقية ليست فى نشيدنا الوطنى الذى كان محوراً رئيسياً للكتاب، ولكن هى سيرة الفنان الحقيقى والمبدع المتفرّد، الذى وصفه الكاتب خيرى حسن بأروع ما وصف: «سيد درويش.. عاش سيداً.. ومات سيداً.. وسيبقى بعبقريته الفذّة سيداً.. فهو السيد ابن السيد درويش البحر مصطفى.. اسم الشهرة سيد درويش.. وهو الفلاح ابن الفلاح، وهو العامل ابن العامل، وهو الكامل ابن الكامل، وهو اليتيم الحزين ابن الأرض الطيبة والنهر العظيم».
أما الأمر الثانى الذى لامس حديثى عن أزمة العقل، فقد كان يتعلق بالقضية التى فجّرها الكتاب، وهى مسألة «المؤلف الحقيقى للنشيد الوطنى» وأسلوب التعامل معها، فقد قطع صاحب الكتاب الأمر وأثبت بالوثائق أن الشاعر محمد يونس القاضى، ليس هو مؤلف نشيد «بلادى.. بلادى»، بل إن المؤلف الحقيقى هو الشيخ سيد درويش نفسه، الذى كان قد تأثر بكلمات للزعيم مصطفى كامل، جاءت فى خطبته الأخيرة، قبل وفاته سنة 1907: «بلادى بلادى.. لك حبى وفؤادى.. لك حياتى ووجودى.. لك دمى ونفسى لك عقلى ولسانى.. لك لبى وجنانى.. فأنت أنت الحياة ولا حياة إلا بك يا مصر».
وفد أدهشنى أن محتوى الكتاب مطروح للنقاش طوال العام الماضى، بعد أن نشره كاتبه فى حلقات صحفية أثارت ضجّة، وظهر بعدها متحدثاً عن قضيته فى أكثر من برنامج تليفزيونى، ورغم جدية ما طرحه خيرى حسن فى كتابه، إلا أنه لم يُحرك أى جهة رسمية للبحث حول الأمر، وهو ما دفعنى فى كلمتى بالندوة للمطالبة بتشكيل لجنة تقصى حقائق تجيب لنا عن السؤال المهم: من هو المؤلف الحقيقى للنشيد الوطنى؟، وتمنيت أن تضم اللجنة خبراء من مختلف المجالات كى تصل بنا إلى شاطئ اليقين فى أمر جاد يهم كل المصريين، كى لا يستغل المتربصون بنا الموضوع، ويتحول إلى معول هدم لواحد من ملامح الهوية المصرية، وعصب مغذٍّ للانتماء عند المصريين، خاصة مع تأكيد جمعية المؤلفين والملحنين وإصرارها على أن يونس القاضى هو مؤلف النشيد الوطنى، وقد حضر الندوة الشاعر الكبير فوزى إبراهيم، بصفته ممثلاً للجمعية، وأكد فى مداخلته على هذا المعنى، مشيراً بالوثائق الرسمية، مع ترحيبه الشديد بإطلاق لجنة تقصى حقائق تحسم الأمر، وهو ما رحّبت به نقابة الصحفيين التى أعلنت احتضانها لنشاط اللجنة. وقد أسعدنى أن شاركتنى المنصة الرئيسية للندوة الكاتبة والأديبة الكبيرة والصحفية المتميزة الأستاذة نوال مصطفى، التى أثرت الحديث بتحليلها الممتع للكتاب من منظور أدبى، وقد أدار الندوة ببراعة الزميل العزيز نادر عيسى، مدير تحرير بوابة «أخبار اليوم».
وأخيراً، لقد نجح الكتاب بذكاء فى تجديد الذكرى والاحتفاء بمولانا فنان الشعب خلال عام مئويته، بسرد شيق لسيرته وحكى فيه من روح درويش العفوية المصرية الشعبية. كما نجح أيضاً فى إثارة قضية مهمة وشديدة التأثير على الإبداع ولا تأخذ قدرها من الاهتمام، وتتعلق بنسب الحقوق بين المبدعين فى الأعمال الجماعية التى يتم طبخها فى جلسات عمل مشتركة تذوب فيها الأدوار بين صنّاعها، وتتوه فيها حقوق الملكية الإبداعية والفكرية.
رحم الله سيد درويش، مُبدع نشيدنا الوطنى.