أحضان الرأى العام

بمطالعة كتاب «كل رجال الباشا» للدكتور خالد فهمى سنجد محمد على باشا خطّط لبناء الجيش المصرى لتعتمد عليه الحدود الناطقة باللغة المشتركة «العربية» فى الحماية والردع، وسنتعرف على أن الجيش المصرى تم تكوينه من الفلاحين المصريين الأصليين وتحديداً «أهل الصعيد» بعد فشل كل المحاولات ليكون عتاده من الأفارقة أو الألبان أو الأتراك، وحتى بعد أن وفد عليه مختلف الجنسيات السابقة، لم تستمر وانصهرت أجزاء منها بداخله، ورحلت البقية مع سقوط الدولة العلوية ورحيل الاحتلال البريطانى. لذلك فالجيش المصرى ضارب بجذوره فى عمق التربة المصرية وولاؤه دائماً للشعب، وضمن آليات العمل بداخله إطاعة أوامر القيادات طبقاً للقاعدة التى تقول «أطع أوامر قياداتك حتى وإن كانت خطأ ثم تقدم للتظلم منها»، على عكس ما ذكره اللواء «وليد النمر»، القيادى السابق بجهاز المخابرات الحربية، حيث استطاعات الزميلة المتميزة «منى مدكور» محاورته على صفحات جريدة «الوطن» فقال النمر: «الجيش ليست له علاقة بمن يجلس على كرسى الحكم»، ضارباً بتلك الجملة واحدة من سلطات الرئيس السيسى لكونه «رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة». حوار الرجل يُعد صدمة كبرى لطرحه معلومات تضع الكثير من الأجهزة الأمنية المصرية فى حرج شديد، خاصة مع الضغوط التى تتعرض لها الدولة المصرية، حيث قال الرجل المخابراتى وكأنه يطعن فى عمل الجهاز الذى كان ينتمى إليه، بالإضافة إلى المخابرات العامة وأجهزة أمنية أخرى «مراكز وزارة الشباب والرياضة كانت تُستخدم لاستقطاب الشباب للانضمام لجماعة الإخوان منذ أيام حسنى مبارك»، والعبارة السابقة ضمن دلالاتها أن المخابرات تركت الجماعة الإرهابية تجند الشباب دون التدخل لحمايتهم وحماية الوطن واكتفت برصد ومشاهدة ما يجرى طوال سنوات، وبالتالى فهى ضمن أسباب الكوارث التى وصلنا إليها الآن. وذكر أيضاً اللواء وليد النمر طاعناً فى عرض الحركات الثورية رغم أن تلك الحركات ومنها الأحزاب السياسية تحملت لسنوات عبء مواجهة نظام مبارك والإخوان، وفضحت مشروع التوريث، فقال النمر متجاهلاً تاريخها النضالى: «من تحت الترابيزة، وبعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية 2010 الإخوان قاموا بدفع الحركات الثورية ثم نزلوا بعد تأكدهم من اشتعال الفتيل»، فى إشارة منه لتعاونهم مع الجماعة الإرهابية، ولكن الأغرب هو عدم رد الحركات والأحزاب للدفاع عن أنفسهم. وعندما واجهته الزميلة «منى مدكور» بالسؤال عن قاتلى الثوار فى الميدان، ردد رجل المخابرات، الذى من المفترض أنه العارف بالمعلومات الحقيقية، ما يردده الإعلام ورجل الشارع العادى بأنهم «قناصة مدربون تسللوا إلى الوطن عبر أنفاق سيناء لأن البلاد كانت مهلهلة ولا وجود أمنياً من الداخلية، والجيش مشغول بتأمين المنشآت والميادين»، مع العلم أن رجال الجيش كانوا مشغولين بتأمين حياة المواطنين لا المنشآت والميادين فقط كما ذكر سيادة اللواء. وأيضاً يجب هنا طرح السؤال: أين كان جهاز المخابرات الحربية الذى يتبع له سيادة اللواء من معرفة هوية رجال القناصة؟ وذلك لأنه قال فى حواره: «اختفوا وسط زحام الأحداث وهربوا مرة أخرى عن طريق الأنفاق إلى خارج مصر»، مع العلم بأنه هو نفسه الذى قال أيضاً فى بداية الحوار: «جهاز المخابرات الحربية لم يفاجأ بثورة 25 يناير، وكنا نرفع تقارير منذ أحداث اعتصامات المحلة ومجلس الوزراء بالأيام والشهور»، مما يدلل على أن المخابرات كانت ترصد كل ما يدور ويجرى، وبالتالى فمن المستحيل أن يكون رجال القناصة اختفوا عنها وسط الزحام، وإلا كيف عرف هو أنهم استطاعوا الهرب إلى خارج مصر كما ذكر؟! الكثير من المعلومات فى حوار اللواء «وليد النمر» جعل من أسرار المخابرات التى تتعلق بالأمن القومى «مستباحة»، خاصة أن حواره تطرق لتأكيده نجاح الفريق أحمد شفيق فى انتخابات الرئاسة، رغم أن الأمر ما زال يُنظر قضائياً، وأيضاً كشفه وجود قضية «خيانة وتمويل وتخابر تحمل رقم 250» وأن ضمن المتورطين فيها إعلاميون وسياسيون، مما يفتح الباب مرة أخرى أمام موجة التخوين الكبرى. وأنتهى هنا إلى أن الغموض والسرية اللذين كانا دائماً يحيطان برجال المخابرات «كُسرا»، وأن البعض منهم الآن أصبح يُلقى بنفسه فى أحضان الرأى العام دون أن يبالى مخاطر ما يصرّح به من معلومات، بالتأكيد لن يستفيد منها فى النهاية إلا كل عدو لوطننا.