محاكمة «كارتر» في مئويته

أذكر فى طفولتى المبكرة نهاية السبعينات من القرن الماضى، المفاجأة الصادمة التى أحدثتها أوتوبيسات ضخمة زرقاء اللون ظهرت بشكل مفاجئ فى الشارع المصرى، تميزت بصوت موتورها الصاخب وحركتها المتعثرة وانخفاض ارتفاعها مقارنة بأوتوبيسات النقل العام الوطنية من طراز مرسيدس كالحة اللون، والتى كانت تميل إلى الأحمر وتسيدت المشهد فى ذاك الزمان.

سمى المصريون تلك السيارات الزرقاء الأجنبية بـ«أوتوبيسات كارتر»، نسبة للرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، وكان ظهورها فى الشارع حدثاً فريداً وغير مألوف، تعامل معها الناس بحذر وبالغوا فى تشويه سمعة تلك السيارات التى وصلت مصر فى سياق المعونة الأمريكية لمصر، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد خصصت مبلغاً سنوياً تدعم به الاقتصاد المصرى، مكافأة على قبولها السلام مع إسرائيل.

ولا تزال «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية» التى كان «كارتر» بطلها الأول، إلى اليوم محل انتقاد واختلاف حول تقييمها، فهى تمثل المنعطف الأخطر فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، ويحمّلها البعض كل ما جرى للقضية الفلسطينية منذ خروج مصر من معادلة السلاح، فيما يراها كثيرون طوق النجاة الذى أنقذ مصر وحافظ على استقرارها وأمنها طوال العقود الأربعة الماضية.

وقد نبهنى الإعلامى السعودى الكبير عبدالرحمن الراشد إلى مئوية الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر والتى حلت فى الأول من أكتوبر الجارى، معبراً بكلمات دالة عبر حسابه على منصة «إكس» عن تأثيره الكبير فى الحاضر الذى تعيشه منطقتنا المنكوبة هذه الأيام بصراع دامٍ بين إسرائيل وإيران، نسدد جميعاً فواتيره من استقرار وأمن بلادنا العربية.

وأوضح «الراشد» أن كارتر الذى «يحتفل ببلوغه من العمر مائة عام، أكثر رئيس أمريكى له بصمات على منطقتنا سلبية وإيجابية ولا تزال تبعاتها إلى اليوم، فهو مسئول عن إيصال «الخمينى» لسدة الحكم، خوفاً من وصول اليسار مع انفجار الشارع الإيرانى، كثيرون يعتقدون أنه كان بمقدور «كارتر» دعم الجيش، على الأقل مرحلياً، لكنه اخطأ وغير التاريخ إلى هذا اليوم».

أما الجانب الإيجابى فى تاريخ «كارتر» الذى حكم أمريكا بين عامى 1977: 1981، فيرى «الراشد» أنه «صنع كامب ديفيد وأرسى إلى اليوم سلام المحورين المصرى الإسرائيلى، بموجبه عادت سيناء وقناة السويس وانتهت الحرب بين البلدين».

وببلوغ «كارتر» 100 عام، يكون قد عاش نحو 40 فى المائة من تاريخ الولايات المتحدة منذ إعلان استقلالها عام 1776، وأكثر من ثلث عمر جميع الإدارات الأمريكية، منذ تولى جورج واشنطن منصبه عام 1789، بحسب ما أكد موقع قناة «الحرة» الأمريكية.

ومن أهم سجلات كارتر أيضاً الذى يتلقى الرعاية الطبية فى منزله منذ أكثر من عام، بحسب الموقع الأمريكى، «أنه يحمل الرقم القياسى لأطول مسيرة مهنية بعد الرئاسة، فبعد مغادرته البيت الأبيض عام 1981، أسس هو وزوجته «مركز كارتر العالمى»، ومقره أتلانتا، لمحاربة الأمراض المدارية المهملة، وحل النزاعات سلمياً، ومراقبة الانتخابات فى جميع أنحاء العالم».

وقد احتفلت السفارة الأمريكية فى القاهرة بعيد ميلاد الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر المئوى بإقامة معرض للفوتوغرافية بعنوان «جيمى كارتر: 100 عام من توحيد الناس» ويستمر حتى العاشر من أكتوبر فى حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

ومحاكمة «كارتر» اليوم على جهوده فى إحلال «السلام العادل» والذى رآه البعض غير منصف للشعب الفلسطينى، أظننا وبعد هذه السنوات التى تعاقبت علينا فيها ٧ إدارات أمريكية، نكون قد تأكدنا أن «كارتر» كان صادقاً فى أحلامه حول السلام فى الشرق الأوسط، وأنه كان الأكثر انحيازاً للحق العربى بين أقرانه من رؤساء الولايات المتحدة، حتى اتهمه البعض بمعاداة السامية بحسب مجلة «المجلة» السعودية.

وقد رد على هذه الاتهامات موضحاً أنه حاول فتح حوار حول القضية الفلسطينية فى واشنطن، وهو حوار لم يكن موجوداً أصلاً (بحسب قوله)، مضيفاً أن «الأراضى المقدسة» لن تنعم بالسلام ما دامت إسرائيل مستمرة فى احتلالها للأراضى العربية، وأخيراً أضاف: «أعظم مهمة فى حياتى هى محاولة إحلال السلام».

أما فيما يتعلق بموقفه من «الثورة الإيرانية»، فلا شك أنه قد منحها بتردده فى دعم الشاه، قبلة الحياة التى أوصلتنا إلى ما نعانيه اليوم بسبب مشروعات إيران التوسعية بأذرعها الدينية والعسكرية، على حساب مصالح الدول العربية بالمنطقة.

وقد نشر موقع قناة «بى بى سى» البريطانية قبل سنوات تقريراً يعتمد على ما وصفه بـ«الوثائق الأمريكية السرية»، جاء فيه أن إدارة كارتر كانت على اتصال مع الخمينى أثناء وجوده فى فرنسا، ولم تعارض عودته إلى طهران، وهناك ما يشير فى وثائق أخرى إلى أن توجيهاً أمريكياً قد أوحى للجيش الإيرانى بعدم دعم شاه إيران محمد رضا بهلوى، برغم علاقة قوية كانت تجمعه مع «كارتر» قبل اندلاع الثورة، جعلت الرئيس الأمريكى الأسبق يقبل دعوته لقضاء احتفالات «رأس السنة» فى ديسمبر سنة ١٩٧٧ فى طهران.

وقد دفع «كارتر» ثمناً باهظاً لارتباك تعامله مع الشاه والثورة فى إيران، بخسارته الانتخابات الرئاسية التى جرت فى نوفمبر ١٩٨٠، برغم أن «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية» قد عززت فرصه بالفوز، لكن عملية احتجاز الرهائن الأمريكيين فى طهران والتى استمرت ٤٤٤ يوماً، منحت منافسه الجمهورى رونالد ريجان الفرصة لتحقيق فوز ساحق، ليعتلى سدة الحكم لثمانى سنوات متصلة.