الابن وأبوه
الشخصيات الحقيقية للرجال تُعرف فى الشدائد، وقد عاش الإمام على بن أبى طالب الكثير من المواقف الصعبة العصيبة، منذ أن تولى أمر المسلمين وحتى استشهاده، على يد عبدالرحمن بن ملجم عام 40 هجرية، وبان فى هذه المواقف وطريقة إدارته لها المفتاح الرئيسى لشخصيته «الفروسية»، وتركيبته الإنسانية كفارس لا يعرف سوى الصلابة، والثبات على الموقف، والبُعد عن المراوغة، وشجاعة المواجهة، والإيمان بأقدار الله.
ولو أنك تأمّلت هذا الحوار الذى دار بين «على» وولده «الحسن» فى ذروة معاناة الأول من تمرد البعض وجبن البعض عن المواجهة، فبإمكانك أن تستخلص منه معالم شخصية على بن أبى طالب بسهولة. يقول «ابن كثير»: «جاء الحسن بن على إلى أبيه فى الطريق، فقال: لقد نهيتك فعصيتنى.. تُقتل غداً بمضيعة لا ناصر لك. فقال له «على»: إنك لا تزال تحن على حنين الجارية. وما الذى نهيتنى عنه فعصيتك؟ فقال: ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها، لئلا يُقتل وأنت بها فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ ألم آمرك ألا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس فى بيتك حتى يصطلحوا فعصيتنى فى ذلك كله؟. فقال له «على»: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان، فلقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما مبايعتى قبل مجىء بيعة الأمصار، فكرهت أن يضيع هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه فتريد منى أن أكون كالضبع التى يحاط بها ويقال ليست هاهنا حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فى ما يلزمنى فى هذا الأمر ويعنينى فمن ينظر فيه؟ فكُف عنى يا بنى».
الحسن بن على ابن مُحب لأبيه، ويخاف عليه، وكل ما قدمه له من نصائح فى هذه المواقف المضطربة كان أساسها الخوف على أبيه، وحنانه عليه، وقد أدرك «على» ذلك، فعلق على كلامه قائلاً: «إنك لا تزال تحن على حنين الجارية»، وتعليق «على» على أسئلة «الحسن» كان منطقياً للغاية، فحصار المتمردين أيام فتنة اغتيال عثمان كان للجميع، بمن فيهم «على» نفسه. المدينة كلها كانت تحت الحصار، والكلمة كانت للمتمردين المحاصرين لقصر الخليفة، ولم يكن بالإمكان الخروج منها، أما الانتظار حتى تأتى البيعة من الأمصار فيغفل مخاطر خلو منصب الخليفة لفترة طويلة فى مثل هذه الظروف، وأما السكوت وعدم التحرّك ضد جيوب النقمة والتمرد، فليس له معنى، فلو لم يتحرك إليهم «على» لتحركوا هم إليه، والانتظار وعدم التحرك كان يعنى أن يجد «على» نفسه تحت الحصار من كل الاتجاهات.
إنها شخصية الفارس الحكيم الذى عرف كيف يدبّر أمره بصلابة وثبات وشجاعة، لكن قدر الله كان سابقاً.