الأساطير المؤسسة لإعادة الاستيطان في غزة
قصة مريبة تنشرها وسائل الإعلام الإسرائيلية بكثافة وتنوع خلال الشهور الأخيرة، تتحدث عن شباب من المجندين فى جيش الاحتلال الإسرائيلى شاركوا فى احتلال غزة خلال هذا العام، والمفاجأة أن بعضهم كان من المستوطنين الذين عاشوا فى قطاع غزة قبل سنة 2005، وأجبروا على الرحيل عندما جرى الانسحاب الإسرائيلى من القطاع، وتختتم القصة المؤثرة على طريقة أفلام الراحل حسن الإمام، بعبارة موحية: غادروها أطفالاً يبكون واليوم عادوا إليها أبطالاً (مجرمين).
أسطورة عودة (مصغرة) فاضحة لمنهج التلفيق الإسرائيلى، وفن صناعة أساطير الوهم عند الصهاينة بالتدليس. وبالتوازى مع هذا الشحن العاطفى سيطرت على العقلية الإسرائيلية مؤخراً فكرة أنه (لا نصر فى غزة) إلا بعد إعادة الاستيطان إليها، وقد كانت لإسرائيل 21 مستوطنة تم تفكيكها عند الانسحاب أحادى الجانب فى عهد حكومة شارون، والذى اعتبره المستوطنون خيانة من قِبل الدولة، بينما عده قادة سياسيون «خطأ استراتيجياً».
وكان الانسحاب من غزة وطرد المستوطنين منها سنة 2005 هو بداية مرحلة صعود جديدة لبنيامين نتنياهو، حيث قفز وقتها لرئاسة حزب الليكود، أكبر الأحزاب الإسرائيلية بعد تراجع دور وقيمة حزب العمل، وقاد «بيبى» أكبر عملية تغيير سياسى فى توجه الدولة الإسرائيلية ورؤيتها، ليبرز معه دور «اليمين المتطرف» وتنامى الصهيونية الدينية، على أنقاض كل الأصوات المعتدلة من اليسار التى كان يعول عليها لتحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة.
ويجرى تسويق العودة إلى غزة، وفق «نوستالجيا الحرامى» التى تصيب السارق بالحنين لما سرقه.
لتنضم إلى القصص التى تؤسس لأساطير ثم تصبح قضية يناضل الإسرائيلى ويقاتل من أجلها، هكذا أمست مسألة «إعادة الاستيطان فى غزة»، التى عقد لها حزب الليكود الحاكم فى إسرائيل أمس، مؤتمراً حاشداً بالقرب من مدينة (سديروت) على حدود القطاع المحتل، وبحضور وزراء من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وأعضاء فى الكنيست، وتحت شعار «غزة لنا إلى الأبد»، وهذا المؤتمر نسخة مكررة من مؤتمرات سابقة عقدت فى أماكن أخرى على مدار العام لنفس الغرض.
غزة المسكينة، أرض معاد (مسروقة) جديدة، يجرى تمهيد الأرض لسرقتها بفجر واضح، فيما يتم الأمر على استحياء فى جنوب لبنان، إعلانات على منصات التواصل الاجتماعى، تبشر أبناء العم (لعنهم الله)، بفتح باب الحجز لمنتجعات استيطانية فاخرة (فاجرة)، على شاطئ غزة وجبال لبنان، ربما تكون جزءاً من حرب نفسية، ولكنها للأسف فى أغلب الأحيان تتحول إلى حقائق نجبر على التعامل معها.
ويتساءل مراسل «بى بى سى» بالضفة الغربية: «من هم المستوطنون اليهود الذين يريدون بناء منازل فى غزة؟»، ويجيب فى تقريره المنشور فى مارس الماضى موضحاً: «من منّا لا يريد منزلاً على الشاطئ؟ بالنسبة لبعض المنتمين إلى اليمين المتطرف فى إسرائيل، فإنَّ الواجهة البحرية المرغوبة تشمل الآن؛ شاطئ غزة.
لا عليك سوى سؤال دانييلا فايس، 78 عاماً، الضليعة فى حركة الاستيطان الإسرائيلية، والتى تقول إنَّ لديها بالفعل قائمة تضم 500 عائلة مستعدّة للانتقال إلى غزة فوراً. تقول فايس: «لدىَّ أصدقاء فى تلّ أبيب، وهم يقولون: احتفظوا لى بقطعة أرض قرب الساحل فى غزة، لا تنسوا، فساحلها جميل، ورماله الذهبية كذلك».
أخبرتهم أن قطع الأراضى على الساحل حُجزت بالفعل»!.
ويفسر «إعادة الاستيطان» ضبابية ملامح «اليوم التالى» لقطاع غزة، بعد أن امتنع نتنياهو عن طرح تصور واضح له، وكذلك رفضه لكل المقترحات والأفكار التى ناقشت مستقبل القطاع بعد انتهاء المعارك بين جيش الاحتلال وحركات المقاومة. وأيضاً يفسر التوجه نحو الاستيطان، سبب التكثيف العسكرى الإسرائيلى على شمال القطاع وعزله عن الجزء الجنوبى عند «محور نتساريم» الذى يحذر على أى فلسطينى تجاوزه من الجنوب نحو شمال القطاع.
كما تزايد الحديث عن بدء تطبيق «خطة الجنرالات»، والتى لا تُعدُّ مجرد خطة عسكرية تقليدية بل تهدف إلى ضغط غير مسبوق على قطاع غزة لإجبار حركة حماس على الاستسلام من خلال خنق شمال القطاع وإجبار السكان على الرحيل إلى الجنوب، واعتبار أى مدنى يختار البقاء فى الشمال مقاتلاً.
فيما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، نهاية سبتمبر الماضى، أن الخطة تستهدف «إجلاء السكان خلال أسابيع قليلة، وفرض حصار على المنطقة، لدفع المقاتلين بمدينة غزة للاستسلام أو الموت جوعًا».
وبالتوازى مع الترويج للاستيطان، تزايد الحديث فى الداخل الإسرائيلى مجدداً عن «الترانسفير» للسكان الأصليين، وهو ما يواجه برفض فلسطيني قاطع واعتراض مصري - أردنى لمسألة التهجير القسرى لأهالى قطاع غزة والضفة الغربية، وقد وصفت الأردن إصرار إسرائيل على تهجير أصحاب الأرض بأنه «إعلان حرب» على المملكة، فيما عدته مصر «خطاً أحمر» وهى العبارة التي كررها الرئيس السيسي بحسم وحزم، معتبراً أن حديث التهجير بمثابة تصفية للقضية الفلسطينية.