أحدثكم عن «الأمة المصرية» (1)
هناك فرق بين «الدولة» و«الأمة»، ففى العالم المعاصر توجد مئات الدول، بعضها قديم، وبعضها حديث، بعضها مستمر، وبعضها قابل للاختفاء أو الانشطار والتقسيم، لكن هناك دول قليلة جداً، انتظمت فى وحدة سياسية، وتحمل صفة «الأمة»، وهى عصية على الغياب، لأنها تحمل فى باطنها عوامل بقائها، تتراجع ثم تعود لمكانتها، أقدمها مصر، فهى «أمة الأمم» لفضل الحضارة المصرية القديمة على العالمين، وهذه هويتها، رغم توالى القرون، واختلاف الأحوال.
والدولة مفهوم سياسى، شعب وأرض وحكومة وسيادة، بينما الأمة تنظيم اجتماعى، وإن قامت فيه إدارة أو سلطة لتسيير شئونه. والأمة جماعة من البشر تعيش على رقعة من الأرض لفترة زمنية طويلة تربط بين أفرادها روابط مشتركة كالدين واللغة والعرق والإقليم والعادات والتقاليد والتراث والتاريخ والآمال المشتركة، وقد توجد الأمة فى عدة دول، وقد توجد داخل دولة واحدة، لتصبح بهذا هى التكوين الاجتماعى، الذى يتحقّق بمقتضاه الامتداد القانونى والمتضامن بين الأجيال المتعاقبة، التى يعى كل فرد فيها بالشخصية المتميزة لهذا التكوين، وضرورة التعبير عن هذا.
ووصف مصر بالأمة ليس فيه أى شىء من الاستعلاء أو الزهو، فهذه حقيقة يعرفها الآخرون، وقد يتعجّبون من جهل كثيرين منا، بل أغلبنا بها، أو تزعزع ثقتهم فيها، إما بنظرة قاصرة إلى تاريخ من الاحتلال المتواصل الذى تعرّضت له مصر، أو بتقييم الأوضاع الصعبة التى تمر بها الآن، وسبق لها أن كابدت من مثلها على مدار القرون التى خلت. ولا يجرح مفهوم الأمة المنطبق على مصر انتماءها إلى «الأمة العربية»، التى يربطها اللسان، أو عضويتها فى «الأمة الإسلامية» بفعل دين الأغلبية العددية.
وتُدرك النُّخب السياسية فى بعض الدول أهمية أن تكون دولتهم أمة، ونرى ذلك عند الأمريكيين الذين يحلو لهم أن يصفوا الولايات المتحدة بأنها «الأمة الأمريكية»، ويرصّعون خطابهم السياسى المحلى والدولى بهذا الوصف، رغم حداثة بلادهم، وتوزّعها على ولايات يقوم بينها اتحاد فيدرالى، يسمح لكل ولاية بأن تختلف عن الأخريات فى القوانين وبعض السياسات.
لكن هذه الوصف لأمريكا فيه كثير من التجوز والتجاوز والمجاز، بينما لا يحتاج الصينيون إلى بذل جهد كى يراهم الآخرون أمة، وكذلك الهنود والروس وغيرهم. فطبيعة التكوين التاريخى لهذه البلدان، وتجانس الثقافات السائدة فيها، وارتباط المواطن الوثيق ببلده، والصورة التى نجحت فى رسم ملامحها أمام أعين العالم، يجعلها تدرك ذاتها على أنها أمة.
على النقيض من هذا يخطئ المصريون مرتين، الأولى حين يتحدّثون عن بلدهم العريق على أنه مجرد «دولة»، رغم استمرارها آلاف السنين، فنراهم مثلاً يهتفون أثناء ثورة يناير «مصر دولة مش معسكر». والثانية حين تهتز ثقتهم فى بعض الأحيان فى بقاء بلدهم متماسكاً، وتملأهم هواجس تنشأ بين حين وآخر على أنه قابل للتقسيم أو الضياع، وفق خطط مدسوسة، أو مؤامرات مكشوفة.
وهذا الخطأ لا يقتصر على الشعب، إنما يمتد إلى السلطة الحاكمة، التى رأيناها تصف مصر بأنها «شبه دولة»، على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى، فإن ارتقى بها وصفها بـ«الدولة» وقال إنه ظل يدرس معناها لخمسين سنة، قبل أن يتولى حكمها فى يونيو 2014. بل الأفدح من هذا أن السلطة ترضى بإلغاء اسم مصر أحياناً، مثلما حدث أيام حكم جمال عبدالناصر حين صارت بلادنا هى «الجمهورية العربية المتحدة».
لهذا أتعجّب من هذا الجدل الذى يتجدّد، مثلما رأينا عقب قيام ثورة 25 يناير 2011، حول هوية مصر، هل هى عربية أم إسلامية أم قبطية أم فرعونية؟ ونرى كل حزب فى هذا بما لديهم فرحين، منافحين عنه أخذاً ورداً، ومدحاً وقدحاً، مع أن النظرة الهادئة التى تتوخى الدرس العلمى، والنظرة العقلانية تقول بجلاء إن مصر هى مصر، وهذه هى هويتها وكفى، وضمن هذه الهوية كانت مصر، ولا تزال، قادرة على هضم كل هذه الهويات، لتكون روافد ثقافية ودينية تصب فى مجراها العميق الوسيع، فتزيده حيوية ومرونة.