محمود عوض.. تقدير «مطلوب» لصحفي عظيم

أحمد عاطف

أحمد عاطف

كاتب صحفي

أسعدنى كثيراً ما أعلنه الكاتب الصحفى خيرى حسن، قبل أيام، عن استجابة دار «أخبار اليوم» لمبادرته بإعادة طبع كتاب «أم كلثوم التى لا يعرفها أحد» للكاتب الكبير محمود عوض.

كتاب «أم كلثوم» بوصف الصديق العزيز «فرصة ثمينة ورائعة وجميلة قد لا تتكرر كثيراً لمن يريد أن يتعرف على سيدة الغناء العربي كما عرفها محمود عوض».

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1969 ثم تلتها طبعة ثانية وثالثة في حياة «أم كلثوم»، ونفدت جميعها، ثم صدرت طبعة رابعة أضاف لها الكاتب فصلا جديدا بعد رحيل «أم كلثوم»، ومرت سنوات حتى تحمّس الكاتب الصحفي ياسر عبد الحافظ رئيس تحرير «أخبار الأدب» وكتاب «أخبار اليوم»، لإعادة طبع الكتاب مرة خامسة، نفدت بدورها من منافذ التوزيع فور طرحها في أكتوبر 2024.

الحديث عن كتاب «أم كلثوم» وغيره من إبداعات محمود عوض كان حاضراً فى ليلة رائعة شهدتها نقابة الصحفيين، مطلع أكتوبر الماضى، تحدث فيها الكاتب الصحفى عبدالله السناوى عن «تجربة محمود عوض بين السياسة والفن والصحافة»، ولعل ألمع ما طُرح فى الندوة هو الحاجة المُلحة لإعادة نشر مقالات محمود عوض وطبع كُتبه عن حربى الاستنزاف و6 أكتوبر، والتى تجسد فى مجملها جوهر الصراع العربى الصهيونى ومؤامرات فصل مصر عن جسدها العربى، وخصّ بالذكر كتابين هما: «وعليكم السلام.. مصر وإسرائيل والعرب.. الجذور والمستقبل»، و«اليوم السابع: الحرب المستحيلة... حرب الاستنزاف».

فى «اليوم السابع» يقدم محمود عوض للقضية بأول صفحة فى سطرين: «إنها ليست قضية تاريخ.. فالقضية لا تزال معنا حتى الآن». نعم، أيها الأستاذ العظيم.. القضية لا تزال معنا حتى الآن، وغزة ولبنان من الشاهدين، وعن فلسفة العنوان الآسر للكتاب «اليوم السابع» يوضح أنه ذلك اليوم الطويل الذى عاشه المصريون بعد حرب «الأيام الستة» من يوم 6 يونيو 1967 حتى 6 أكتوبر 1973، فإذا شئنا أن نقدم لأجيالنا الجديدة تاريخ حروبنا المجيدة، فأى كتاب أعظم من «اليوم السابع» نستعين به! وقد سبقتنا المغرب فى حياة محمود عوض وبادرت بتدريس كتابه «أفكار ضد الرصاص» لطلبة الجامعة.. روى الكاتب الكبير الواقعة فى مقاله «القضية التى تفرض نفسها».. ألقى محاضرة فى المغرب كان أغلب جمهورها من الشباب الذين لم يتجاوزوا العشرين من العمر، واكتشف أن نصف أسئلتهم عن «أفكار ضد الرصاص»، ويقول: «تطلعت إلى محمد بن عيسى، وزير الثقافة وقتها فى المغرب، والجالس إلى جانبى، بحثاً عن تفسير. وفاجأنى بإجابته: لا تندهش.. فهذا الكتاب يدرسه الطلبة هنا فى الجامعة وشكواهم الدائمة هى عدم وجود نسخ كافية منه فى الأسواق».

واقعة أخرى متصلة بفكرة تدريس كتابات محمود عوض، بطلُها المشير محمد عبدالغنى الجمسى الذى كان حاضراً ندوة بالنادى الأهلى، يقول عنها محمود عوض: «.. ثم بصوته الجهورى قال لى الجمسى أمام الحاضرين: على فكرة أنا قرأت كتابك الأخير (وعليكم السلام)، أقول لك حاجة؟ لو كنت الآن مستمراً وزيراً للدفاع، لكنت قد قررت هذا الكتاب على كل ضابط فى القوات المسلحة، من رتبة ملازم فما فوق».

استعادة كتابات وتجربة محمود عوض، اليوم، «فرض عين» على كل من يعنيه تحصين أمتنا فى معركة الوعى وحماية الهوية، وأكثر المعنيين بذلك هم تلامذته والكتاب الوطنيون، فضلاً عن الدور الكبير للمؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين ووزارة الثقافة وكياناتها المعنية بالنشر.

ونحن كصحفيين.. ماذا بوسعنا أن نفعل بشكل عاجل لتكريم محمود عوض؟

لدىَّ اقتراح يختص بجوائز الصحافة التى أسسها محمود عوض أثناء فترة عضويته فى مجلس إدارة نقابة الصحفيين عام 1984.

كان هدف محمود عوض من إطلاق جوائز الصحافة أن «تسترد الصحافة معايير مهنية فى الأداء تصبح نموذجاً يحتذيه الآخرون، واستنهاض أهم العناصر فى المهنة الصحفية وهم الصحفيون أنفسهم»، فاليوم يمر 40 عاماً على تأسيس محمود عوض جوائز الصحافة، تلك البذرة التى غرسها ورعاها فى حياته وظلت مزدهرة بعد رحيله، لكن غاب اسمه عنها وآن الأوان لارتباطه بها وإلى الأبد، وأقترح على نقيب الصحفيين الكاتب الصحفى خالد البلشى ومجلس النقابة ومجلس أمناء جائزة الصحافة، أن يقترن اسم محمود عوض بها، ويكون ذلك فى شكل عبارة «أسسها محمود عوض»، تتم كتابتها على شهادات التقدير الممنوحة للفائزين، وكذلك تُضاف صورته إلى درع التكريم، كما بوسعنا أن ننفذ مقترحاً سابقاً للكاتب سعيد الشحات بإصدار كتيب PDF لمقالات محمود عوض المنشورة فى جريدة اليوم السابع عام 2008 عن قصة تأسيس الجائزة.

هذا أقل تقدير يمكن أن نقدمه لصحفى عظيم، وهو أيضاً تقدير لمعروف كبير أسداه جمع من كبار الكُتاب لمهنة الصحافة، بمساهمتهم فى إنضاج فكرة جوائز التفوق الصحفى ودعمها حتى خروجها للنور، لتصبح أرفع جائزة مهنية يحصل عليها الصحفى فى مصر، وفى مقدمة هؤلاء الرعاة التاريخيين: محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وإحسان عبدالقدوس وعبدالسلام داود وصلاح حافظ ومحمود السعدنى ومصطفى حسين ومصطفى شردى ومحمود المراغى.