مهرجان القاهرة.. بين القصة والمناظر!
شريط طويل من الذكريات مَرّ أمام عينيَّ، وأنا أتابع حفل افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الخامسة والأربعين؛ عدتُ إلى النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، حين كان سؤالنا التقليدي، في بدايات حقبة المراهقة، عن محتوى أفلام المهرجان المعروضة فى سينما مترو أو كوزموس أو كريم: الفيلم قصة، أم مناظر؟ ثم مرّت أعوام وسنون، رُبما نضجنا فيها بما يكفي، وأدركنا أن مهرجان القاهرة السينمائي لم يكن يوما «مناظر»؛ وإنما قصة مصرية نفخر بها.
الفن من أسلحة المقاومة.. في العام الماضي، لم أكن من هؤلاء الذين ارتاحوا لقرار إرجاء انعقاد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لظروف العدوان على فلسطين؛ فالمهرجان ليس قاعة أفراح نُعلق العمل فيها لوجود مآتم في الجوار؛ بل على العكس تماماً، فالمتأمل لأدوار الفن وفعالياته، يدرك أنه كثيراً ما كان في أحلك الظروف، فيلماً يئنُّ بالآلام، ومسرحا يهتف بالآمال، ورواية تُسرد، أو قصيدة تُنظم، من أجل حلم نتطلع إليه، أو جاثوم نفر منه؛ لهذا كله، فإنّ إلغاء أي فعالية فنية بغرض التضامن ليس هو الفعل الأصوب؛ بل إنّ ما شاهدناه في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية العريقة في حفل افتتاح المهرجان قبيل أيام، هو تماما ما تمنيتُ أن يحدث قبل عام في خريف 2023، وهو أن نقاوم عدونا، ونخضع أشجاننا، ونطوع برنامج هذا المحفل السينمائي الدولي من أجل أن نشير للعالم نحو فلسطين.
مصر دولة ممانعة حقيقية.. بدءا من دبوس بدلة رئيس المهرجان، الفنان المصري «حسين فهمي»، الذي اتخذ شكل خريطة فلسطين «كاملة غير منقوصة» بألوان العلم الفلسطيني، مرورا بفقرات حفل الافتتاح التي استُهلتْ في قلب العاصمة المصرية برقصة مستوحاة من التراث الفلسطيني، تؤديها فرقة أفرادها من غزة، وصولاً إلى فيلم الافتتاح «أحلام عابرة» للمخرج الفلسطيني «رشيد مشهراوي»، كل ذلك كان مؤكدا وليس غامزا، أن مصر هي دولة الممانعة الحقيقية في الإقليم، وهي حجر العثرة الرئيس أمام كل محاولات صهر القضية.
إن مصر، حكومة وشعباً وجيشا وثقافة وفنا… إلخ، لم تكن من المُطبعين، ولن تكون. صحيح أنّ معركة استرداد الأرض -عقب النصر العسكري- اقتضتْ ذات يوم التوقيع دبلوماسيا على ورقة لا علاقة لأفئدة الناس بها، ليبقى ما فى القلب فى القلب، لكن الجميع يُدرك مَن العدو، واسألوا الفكهاني البسيط الذي كان يقذف بحبات البرتقال نحو سيارات الإغاثة المصرية المسافرة تجاه معبر رفح!
مهرجان القاهرة طاقة نور.. فعلى سبيل التدبر، نتذكر أنّ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي حين انطلق أول مرة عام 1976، كانت الدنيا حولنا غير الدنيا! أما اليوم، فأى مُشاهد لأي نشرة أخبار، سوف يعلم أنّ السودان ذهب ولم يعد! وأنّ ليبيا انقسمتْ بين شرق وغرب!
وأن أرض سوريا استبيحت من العالم! وأن اليمن محكومٌ بميليشيا تمارس القرصنة! ولبنان بلا جيش تحت رحمة تنظيم مذهبي مخترق على نحو غرائبي وحزين!
أما العراق الذي كنا نعرفه، فبكل مرارة، لم يعد في ذاكرة العوام إلا «مرادفا لفظيا» لبلد سافرت قطاعات من المصريين إليه لأجل العمل قبل سنوات طوال!
ووسط كل هذا الخراب المحيط بنا، ورغم كل مشقة اقتصادية نحياها، نحن لدينا وطن، ننشغل فيه -من ضمن ما ننشغل به- بمهرجان نتابعه، ونتحدث عنه. لقد توالت السنون، وظل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي طاقة نور وسط حطام الإقليم.
في النهاية، لم يعد أحد يكترث بالسؤال عما إذا كانت أفلام المهرجان قصة أم مناظر.
لقد أصبحت المناظر رخيصة متاحة بيُسر لمَن يريد، في أغلب وسائل الاتصال دون تكبد عناءات الماضي، أما الصعوبة الحقيقية فهي صناعة محتوى قصة نفخر بها، مثل قصة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي أفصح -دون لبس أو مواربة- عن موقفه، وعن موقف الدولة المنظمة وشعبها، حيال جرائم الكيان الصهيوني في زمن رُبما عزَّ فيه ذلك.