«نتنياهو».. WANTED  

جمال حسين

جمال حسين

كاتب صحفي

فى حكم تاريخى استقبله المنصفون حول العالم بترحاب شديد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتى اعتقال ضد كل من بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ويوآف جالانت، وزير الحرب السابق، ومحمد الضيف، رئيس الجناح العسكرى لحركة حماس، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.. المفترض أن هذا الحكم المهم يلزم الدول الـ124 الأعضاء فى المحكمة الجنائية الدولية قانوناً باعتقال نتنياهو وجالانت والضيف إذا وطئت أقدام أى منهم أراضيها.

الحكم أثار العديد من التساؤلات المهمة أهمها: ماذا بعد صدور هذا الحكم المهم؟ وهل يتم القبض على نتنياهو ومحاكمته كمجرم حرب؟ من يقوم بالتنفيذ؟ وما آليات ذلك؟ الإجابة جاءت على ألسنة الخبراء الدوليين بأنه فور صدور الحكم ترسل المحكمة طلبات التعاون إلى الدول الأعضاء، لأن المحكمة لا تمتلك قوة شرطة خاصة بها لتنفيذ الاعتقالات لكنها تعتمد على الدول الأعضاء فى تنفيذها، وهو ما تلتزم به الدول الأطراف قانوناً، لكن ما قد يدعو للإحباط أن التجارب السابقة لأحكام الجنائية الدولية أظهرت أن مثل هذه المذكرات غالباً ما تكون رمزية، حيث يعتمد تنفيذها على الإرادة السياسية والتعاون الدولى، وكلاهما غير متوافر فى هذه الحالة، حيث الانحياز السافر لإسرائيل، ورغم ذلك أعلنت العديد من الدول الحليفة لإسرائيل، أبرزها هولندا وسويسرا وكندا وإيطاليا وأيرلندا أنها ستقوم بتنفيذ الحكم باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلى فى حال وصوله.. ورغم أن هذا الحكم يمنح الضحايا شعوراً رمزياً بالعدالة إلا أنه يكشف بجلاء عن نقاط الضعف المستمرة فى آليات العدالة الدولية عند التعامل مع الأفراد والدول القوية.

الحكم وضع أبرز الدول الداعمة تاريخياً للمحكمة، مثل ألمانيا وفرنسا وكندا وهولندا فى ورطة، خاصة هولندا بلد المقر للمحكمة، التى تتحمل مسئولية أكبر فى إظهار دعمها لقرارات المحكمة، لكن علاقاتها مع إسرائيل قد تجعل موقفها أكثر تعقيداً لكنها أكدت التزامها بتنفيذ قرارات المحكمة.

لم أندهش من الموقف الأمريكى المنحاز دائماً لإسرائيل.. الرئيس بايدن وصف الحكم باعتقال نتنياهو وجالانت بـ«الأمر الشائن»، الحكم أثار غضب إسرائيل التى قالت إنه معادٍ للسامية وغير عادل.. نتنياهو أكد أن إسرائيل لن تعترف بالحكم ولن تستسلم للضغوط، وقال إن هذا يوم أسود فى تاريخ الأمم.. فالمحكمة التى أنشئت لحماية الإنسانية أصبحت اليوم عدو الإنسانية!!

المحكمة قالت فى حيثيات حكمها إنها وقفت على العديد من الأدلة الدامغة التى تؤكد ارتكاب نتنياهو وجالانت جرائم حرب، وأنهما استخدما التجويع كسلاح حرب ويتحملان المسئولية الجنائية عن إبادة المدنيين، وحرما سكان غزة عمداً من الغذاء والماء والأدوية، ومنعا وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية، والوقود والكهرباء، منذ 8 أكتوبر 2024.

وجاء فى حيثيات الحكم أن محمد الضيف، قائد الجناح العسكرى لحركة حماس، الذى تؤكد إسرائيل أنها قامت باغتياله بينما تنفى حماس، ارتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب على أراضى إسرائيل فى 7 أكتوبر 2023، وأكدت المحكمة أنها رفضت طعنين قدمتهما إسرائيل بشأن عدم صلاحية المحكمة وولايتها لنظر القضية، وأكدت أن اعتراف إسرائيل باختصاص المحكمة ليس مطلوباً لتنفيذ أوامر الاعتقال.

الولايات المتحدة توعدت المحكمة الجنائية الدولية.. إدارة ترامب تخطط لاتخاذ إجراءات عقابية ضد المحكمة وفرض عقوبات شخصية على المدعى العام كريم خان، والقضاة الذين أصدروا الحكم. من جانبه، أكد كريم خان تلقيه تهديدات أمريكية حتى لا يصدر حكماً ضد نتنياهو وإسرائيل، وأشار إلى أن المحكمة التزمت الحياد وعدم الانحياز، وأنه لم يعر تلك التهديدات اهتماماً، وأن الهدف من أوامر الاعتقال هو تحقيق العدالة للضحايا وأسرهم.

حركة حماس رحبت بالحكم، وقالت إن قرار المحكمة الجنائية يعيد الاعتبار لقيم العدالة وحماية الإنسانية، ومن يعارضه فهو من مُنْكِرى الإبادة فى غزة، وانتقدت الموقف الأمريكى وقالت إنه يقف وحيداً فى معارضة المحكمة الجنائية الدولية كما يقف وحيداً دائماً ويستخدم الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن بوقف الحرب.

بقى أن نشير إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تم إنشاؤها فى 17 يوليو 1998 طبقاً لاتفاقية روما، ودخلت حيز التنفيذ فى 1 يوليو 2002 بعد أن صادقت عليها 60 دولة، وأصبح عدد الموقعين عليها حتى الآن 124 دولة.