«الروس والأوكران» وصراع الـ800 عام

مصطفى كفافي

مصطفى كفافي

كاتب صحفي

شتان الفارق بين روسيا التى نجحت فى التطور لإمبراطورية، وأوكرانيا التى فشلت فى البقاء على قلب رجل واحد، رغم خروجهما من رحم واحد.

وهذه الرحم هى كييفان روس، وحالياً هى كييف عاصمة أوكرانيا، والمعروفة باسم أم المدن الروسية، ومنها خرج أدباء روس بحجم نيكولاى غوغول، وميخائيل بولغاكوف، وكذلك سياسيون مثل تروتسكى وبريجينيف.

على أرض كييفان روس، وحين كانت أوروبا غارقة فى ظلام العصور الوسطى نشأت إمبراطورية الفايكنغ فى القرن التاسع الميلادى. وخرجت تجارتها من البحر الأسود شمالاً لتمر بأمان فى مضيقى البسفور والدردنيل، مستفيدة من علاقتها بالدولة البيزنطية للوصول إلى مياه المتوسط الدافئة.

الا أن أول خطر دق أبوابها كان عام 1237، حين دمر زحف المغول ملامحها، حينها بدأت هجرة رؤوس أموالها وكبار عائلاتها نحو روسيا، تلك الدولة الجديدة الناشئة فى الشمال، التى استلهمت اسمها من كييفان روس، الخطر الثانى كان الغزو البولندى بين عامى 1349 و1430، والذى استوطن شمال وغرب أوكرانيا نحو مائة عام، إلا أنه خلال القرن الـ15 بدأت الأصوات تنادى فى روسيا لإنقاذها من البولنديين، ومعها بدأ التوسّع الروسى شيئاً فشيئاً حتى استطاعوا ضم أوكرانيا عام 1686.

وكان الخطر الثالث حين استغلت روسيا وجودها فى أوكرانيا وبدأت حربها مع العثمانيين لاحتلال شبه جزيرة القرم فى حرب استمرت من 1686، حتى انسحب منها العثمانيون عام 1700.

وظلت معه القرم جزءاً من الصراع، واستمرت أوكرانيا جزءاً من إمبراطورية القيصر الروسى، حتى نجح لينين فى إنهاء حكم القياصرة عام 1917، بعدها أعلنت أوكرانيا استقلالها عن الإمبراطورية الروسية، وهنا بدأ الخطر الرابع المتمثل فى حرب أهلية قطعت أوصال أوكرانيا بين تدخلات من ألمانيا والنمسا والمجر وبولندا، حتى تدخّل الجيش الروسى عام 1921، وأعلن قيام جمهورية أوكرانيا السوفيتية.

كان الخطر الخامس خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت أرضها مسرحاً ألمانياً لقتال السوفيت، قتل خلالها أكثر من ستة ملايين أوكرانى، كان بعضهم يؤيد الألمان، لتخليصهم من سطوة السوفيت.

خلال الحرب الباردة، كانت أوكرانيا أحد أهم معاقل تصنيع السلاح السوفيتى، واستحوذت مخازنها على ثلث الأسلحة فى العالم، إلا أن انفجار مفاعل تشرنوبيل فى عام 1987 كان الخطر السادس وظل أحد مشاهد نهاية السطوة السوفيتية فى أوكرانيا. عام 1991، بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وجدت أوكرانيا نفسها بلا رعاية من عاصمة الشرق. بدأ الغرب يتودّد إليها لاستغلال ترسانتها من الأسلحة، وبالفعل استطاع الاطلاع عليها، واعتبر الروس ذلك خيانة لأسرارهم. لم ينسَ فلاديمير بوتين هذا الأمر عندما وصل إلى حكم الكريملين مع بداية الألفية الجديدة.

وكان الخطر السابع فى عام 2009 حين قطع الغاز عن أوكرانيا عقب توقيعها اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبى، وبحلول عام 2014 وقعت احتجاجات داخل القرم انتهت بإجراء استفتاء كانت نتيجته الموافقة على انضمامها إلى روسيا، وكان الخطر الثامن حين استحوذ بوتين على القرم فى عملية عسكرية خاطفة أتاحت له الوصول إلى مياه البحر الأسود.

ورغم تجميد الحسابات الروسية فى البنوك الأوروبية وتقليص صادراتها إلى الدول الغربية، فإن بوتين لم يتراجع واستمر فى التصعيد.

وفى عام 2022 عقب إعلان أوكرانيا عن نيتها الانضمام إلى حلف الناتو واعتزامها نشر صواريخ يمكنها قصف موسكو خلال خمس دقائق، حرّك بوتين مائة ألف جندى روسى إلى داخل الحدود الأوكرانية فى فبراير 2022، ليُسيطر على شرق أوكرانيا مع وجوده جنوباً بشبه جزيرة القرم.

واستمرت المعركة هناك حتى نجح دونالد ترامب فى انتخابات 2024، ووعد بإنهاء الحرب فى أوكرانيا، إلا أن بايدن اعتبر ذلك إخفاقاً فى معركته ضد روسيا، فأعلن سماحه لأوكرانيا باستخدام صواريخ أتاكمز الأمريكية بعيدة المدى التى يمكنها قصف أهداف على بُعد 300كم.

وبالفعل أطلقت أوكرانيا ستة صواريخ منها، تمكن الروس من صد خمسة منها، بينما أضرم السادس النار فى ثكنة عسكرية، ورداً على هذا الأمر أعلن بوتين تغيير العقيدة النووية الروسية عبر سماحه باستخدام الأسلحة النووية عند قصفه بالأسلحة التقليدية.

ليظل القوس مفتوحاً فى حلبة الصراع الروسى - الأوكرانى ومؤججاً لأزمة عالمية مستمرة بين الشرق والغرب، فـى صراع ظل لثمانية قرون متواصلة بين بلدين جمعتهما لغة وتاريخ وثقافة واحدة خرجت من الرحم ذاتها يوماً ما على أرض كييفان روس.