الكورة في ملعب البنات

هدى رشوان

هدى رشوان

كاتب صحفي

رأيتُ في منامي منتخب مصر النسائي لكرة القدم يقف شامخاً على الساحة الخضراء المستديرة لكأس العالم، مكللاً بالإنجازات، يزرع الأمل ويشعل قلوب الملايين. كانت المدرجات في حلمي مكتظة بالمشجعات من كل الأعمار، أمهات وبنات، يهتفن باسم فريق كسر القيود، صنع التاريخ، وأثبت أن الرياضة ليست حكراً على أحد.

لم تكن الملاعب مجرد مكان لمشاهدة المباريات، كانت مساحة تجمع النساء معاً، يحتفلن بكل هدف وكأنهن هن من سجلنه. كانت الهتافات أكثر دفئاً خالية من الكلمات الجارحة أو السلبية، والفرحة أكثر صدقاً، حيث شعرت كل مشجعة أن ما يحدث على أرض الملعب يمثلها شخصياً.

لأول مرة، أصبح الحضور النسائي أكثر من مجرد دعم، بل كان رسالة بأن النساء قادرات على تحقيق المستحيل، كل لاعبة كانت رمزاً للأمل، خلف كل تمريرة كرة تسديدة، ضربة جزاء أو حتى تسلل، قصة من الإصرار والتحدي، وكأن الفوز أكثر من مجرد نقاط على لوحة النتائج، كان انتصاراً على عقود من التحديات والصور النمطية. شعرت كل فتاة مصرية تحمل فى قلبها جزءاً من هذا الإنجاز، وكأنهن يقلن بصوت واحد: «لقد فعلناها»، و«والله وعملوها البنات.. ورفعوا راس مصر بلدنا».

في بلدنا، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، أو رياضة تنافسية، هي جزء من ثقافة الشعب، فرحة ملايين البيوت، منصة للتعبير عن الأمل، الفرح، وحتى الحزن. في الأوقات التى تحتاج فيها المجتمعات إلى شىء مشترك، تكون كرة القدم هي الرابط، تجمع بين الناس، وتضعهم جميعاً في لحظة واحدة من الفرح الجماعي، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.

على الرغم من أن النساء أثبتن قدرتهن على النجاح في مختلف المجالات، سواء فى العمل، السياسة، أو حتى الرياضة إلا أن كرة القدم ما زالت تُعتبر من قبل البعض رياضة «حكراً» على الرجال، هذه النظرة القديمة لا تقتصر فقط على المجتمع المحلى، بل هى سائدة في العديد من الثقافات حول العالم. بينما نشهد تطوراً في عدد الفرق النسائية وزيادة عدد الفتيات اللواتى يطمحن لممارسة هذه اللعبة، وهناك قصص رائعة للاعبات استطعن كسر الحواجز وأثبتن أن النساء يمكنهن التألق فى هذا المجال، فإنهن لم يحظين بعد بالشهرة الواسعة والفرص المالية التي يحظى بها اللاعبون الذكور.

الاستثمارات الإعلامية والمادية فى الفرق النسائية ما زالت غير متكافئة مقارنةً بالرياضات الأخرى أو بالرجال.

لذا، من الضروري العمل على تغيير هذه المفاهيم، وإظهار أن كرة القدم لا تقتصر على جنس، بل هي رياضة للجميع.

كما يمكن تعزيز هذا التغيير من خلال توسيع دعم الفتيات في المراحل المبكرة من تعليمهن الرياضي، وتوفير بنية تحتية تدعم هذا القطاع، من ملاعب مخصصة، وتدريبات احترافية، بالإضافة إلى «كوتة للنساء» من الفيفا والكاف لتطوير كرة القدم النسائية في مصر، إطلاق حملات توعية مجتمعية وتدريب المدربين الذين يعملون مع فرق السيدات، وتوفير البطولات المحلية والإقليمية لتشجيع الفتيات على المشاركة.

عندما يتحقق الحلم يصبح الفرح أكبر والفخر أعمق. ورغم أن هذا الحلم قد يبدو بعيداً فإنه يحمل حقيقة واحدة لا شك فيها: النساء قادرات على تحقيق المستحيل. وبالتعاون والجهود المشتركة قد نصل إلى هذا الواقع أسرع مما نتخيل.