دمنهور وصلت للأمثال الشعبية: ولا واحد دمنهوري
هذا كتاب أحدث ما صدر عن دمنهور عاصمة البحيرة التي وُلدتُ ونشأتُ بها، ولا يزال في أعماقي نقاط ضعف كثيرة تجاهها، ومؤلفه كامل مصطفي رحومة، المثقف ابن البحيرة الذي آثر ألا يغادرها وأن يعيش فيها سنوات عمره، وأنا أحسده على هذه الإرادة التي نفَّذها ولم تكن شعاراً، فكلنا كانت القاهرة هدفنا الجوهري، ودمنهور مجرد محطة في الطريق للقاهرة.. المؤلف لم يفعل هذا، بل عاش طول عمره هناك.
وقبل أن نكتُب عن الكتاب أُهديه إلى محافظ البحيرة الحالي الدكتورة جاكلين عازر، لأنه سيفتح لها أبواباً كثيرة لمعرفة المحافظة التي تعيش بها وتعمل من أجلها، وتسهر الليل وصولاً إلى رفعتها.
وهذا الكتاب ثمرة من ثمار مشروع الدكتور جمال حمدان، فهو الذي تعلمنا منه ثقافة المكان والارتباط بالمكان وأن تظل صلتنا بالمكان الذي نشأنا فيه قائمة وحية وحاضرة طول العُمر.
ويُصدِّر المؤلف دراسته بمقدمة للدكتور عبدالوهاب المسيري، بالنسبة لأهل العلم في القاهرة. يقول:
- وُلِدتُ بدمنهور، وكانت تتميز (من منظور رحلتي الفكرية) بوجود عبق التاريخ فيها، عرفنا أن دمنهور من أقدم مدن العالم، وأنها كانت عاصمة الوجه البحري قبل توحيد القُطرين.
يقال إنها هي ودمشق المدينتان الوحيدتان اللتان استمرت فيهما الحياة بدون انقطاع، مع احتفاظهما باسميهما اللذين عُرِفا بهما في الماضى.
والكاتب لا أقول يحب البحيرة ولكنه مُتعصّب لها، ذلك التعصُّب الإيجابي. لدرجة أنه عندما يفخر بدمنهور يقول إنها هي التي جاءت لمصر بجائزتين من جوائز نوبل عن طريق ابنين من أبنائها. الأول هو: أحمد زويل، والثاني نجيب محفوظ ابن عائلة الباشا برشيد.
وقد تحدَّثتُ مع المؤلف من قبل وحكيت له أن بعض أفراد عائلة رشيد جاءوا لنجيب محفوظ في سنة عمره الأخيرة 2006، وطلبوا وألحوا عليه أن يزور مدينتهم، ومن المعروف عن محفوظ أنه كان لا يُحب السفر. لدرجة أنه لم يُسافر لتسلُم جائزة نوبل وأناب عنه الكاتب والروائى محمد سلماوى وابنتيه، الذين تسلَّموا نيابة عنه.
ويُخصِّص فصلاً بالكتاب لمقهى المسيري بدمنهور، وهو المكان الذى لعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية بدمنهور، فكل أدباء البحيرة جلسوا عليه ابتداء من المرحوم الشاعر فتحى سعيد، ومحمد صدقى كاتب القصة القصيرة، وعبدالقادر حميدة، وأمين يوسف غُراب، ويحيى حقَّى، ومحمد عبدالحليم عبدالله.
كل هؤلاء كانوا من زوار مقهى المسيرى، لدرجة أن يحيى حقِّى قال عنه:
- من يزور دمنهور لا بد أن يجلس على رصيف مقهى المسيرى الذى يُمثِّل ظاهرة مهمة عند أبناء المدينة والمثقفين والأدباء والزجالين، بل يقولون إن محمود البدوى كتب عن إحدى زياراته للمقهى، والصحفيون الذين خرجوا من البحيرة كتبوا عنه، فقد كتب رجب البنَّا:
- عشت أهم تجربة ثقافية من خلال مقهى المسيرى الذى لم يكن مقهى تقليدياً بالمعنى المعروف.
وقد عرفت لأول مرة نجيب محفوظ ويحيى حقى ولويس عوض ومحمد مندور من خلال المقهى.
وللأسف الشديد عندما ذهبت إلى دمنهور في ستينات القرن الماضى طلباً للعلم كان المقهى قد أغلق أبوابه وصاحبه أصبح ذكرى، لكن بقيت ذكريات الأدباء هناك حية حتى الآن وأسماؤهم كثيرة. وتوفيق الحكيم رغم أنه جاء للدنيا في عزبة الحكيم القريبة من دمنهور، فقد تردد على المقهى قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة ويستقر بها إلى أن مات.
والمقهى كانت به أنشطة ثقافية يُرافقها الكثير من الأنشطة التى تُعبِّر عن شخصية المكان وعن صاحبه، وقد ترك هذا المقهى بصمة شخصية فريدة لصاحبه، وهى أنشطة تنتمى للثقافة في بُعدها الحضاري والأوسع، وتتبادل مع التأثيرات سلباً وإيجاباً.
ولو دوَّنت أسماء من أوردهم الكاتب النشط الهُمام في كتابه عن أدباء دمنهور ومطربيها مثل كارم محمود لما كفتنى المساحة، لكن أثرهم ما زال موجوداً في البحيرة، ويتوقف أمام «100 نوري ولا واحد دمنهوري» باعتبارها جملة تُحذِّر من زيارة المدينة، ولا يتجه إلى دمنهور، وإن زارها يتعامل مع تُجَّارها في السوق وهو حذِر ومستيقِظ خوفاً من فكرة الضحك عليه.
إنه كتابٌ مهم أتمنى أن أجد مثله عن مُدن مصر الكُبرى. يكتُبها أهلها لأن تاريخ وجغرافيا مصر ما زالت تُفاجئنا بالكثير من الأسرار والحكايات.