حرب الاستنزاف

محمد حبيب

محمد حبيب

كاتب صحفي

لاحظت، كما لاحظ غيرى، أن الإخوان يعانون من خلل فى الفكر والفهم والممارسة، إضافة إلى ظاهرة مرضية نفسية، تتبدى فى النشوة والبهجة والسعادة التى تمتلئ بها قلوبهم عندما ينجح الإرهابيون فى تحقيق أهدافهم باغتيال رجال من الجيش أو الشرطة أو القضاء، أو تخريب وتدمير منشأة عامة أو خاصة.. كما تتبدى أيضاً فى الحزن والألم الذى يعتصر قلوبهم إذا فشلت محاولات الإرهابيين فى الوصول إلى أهدافهم، أو إذا ما تم إلقاء القبض عليهم.. ويبلغ الحزن والألم مداهماً إذا علموا بمقتل هؤلاء الإرهابيين على أيدى رجال الجيش أو الشرطة.. الإخوان لا يهتمون ولا يكترثون بالأثر الذى تتركه جرائم الإرهاب فى قلوب المصريين، لأنهم منشغلون بزيادة مساحات الدم والتخريب والتدمير.. وهذا يدل على أن القوم انحرفوا عن جادة الصواب، وعياً وثقافة وأخلاقاً وسلوكاً.. ألم يكونوا يقولون إنهم يحملون الخير لمصر؟! فهل هذا هو الخير؟! ماذا دهاهم، ولماذا تنكروا لدعوتهم؟ هل كانت دعوتهم تلك، زعماً وادعاء، أو كذباً وتضليلاً؟!.. ويثور سؤال: هل يا ترى نحن نواجه هذه الأيام أناساً لا علاقة لهم بالإخوان من قريب أو من بعيد، وأن الأحداث التى وقعت، خاصة بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة، هى التى أفرزت هذه المجموعات الجديدة، أم أننا نواجه إخواناً، لكنهم فى الحقيقة «ليسوا إخواناً، وليسوا مسلمين» كما قال «البنا»، عقب اغتيال النقراشى فى نهاية الأربعينات؟! ذكرنا غير مرة أن الإخوان وهم مقبلون على الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة، عقدوا اتفاقات مع أنصار بيت المقدس فى سيناء يتم بموجبها (حال فوزهم): أن يتوقف «الأنصار» عن تفجير أنابيب الغاز الموجودة فى سيناء، وأن تتوقف الهجمات الإرهابية التى تستهدف السياح الأجانب، وأن يكونوا ظهيراً لهم إذا ادلهمت الأمور كما كشف عن ذلك ما تفوه «البلتاجى» فى اعتصام رابعة.. وفى مقابل ذلك: يتم السماح لهم بكافة أشكال وألوان التدريب العسكرى، الخروج من سيناء والعودة إليها فى أى وقت يشاءون، وألا توضع أى عقبات تحول دون وصول السلاح إليهم، الإفراج عن قياداتهم الموجودة فى السجون، وإنهاء التحقيقات مع أفرادهم فى القضايا المنظورة، وأخيراً العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية.. وجاءت ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، والإطاحة بحكم الإخوان فى ٣ يوليو، لتعصف بالاتفاقات المبرمة بين الإخوان وأنصار بيت المقدس.. وكان بديهياً -وقد زالت الامتيازات التى كانوا ينعمون بها- أن يقوم الجميع بهدم «المعبد» على من بداخله ومواجهة من سموهم «بالانقلابيين»، وأن يخصوا القوات المسلحة والشرطة، ثم القضاة بأعمال الاغتيال. وفضلاً عن الدعم المادى والمعنوى، فقد هيأ الإخوان وأنصارهم مناخاً نفسياً وتحريضياً هائلاً لأنصار بيت المقدس والخلايا التى سارت على دربها، كى تقوم بكل الأعمال الإرهابية، وذلك من خلال الإثارة المستمرة للمظلومية والكربلائية، والبكاء على الضحايا الذين لقوا حتفهم نتيجة فض اعتصامى رابعة والنهضة على يد قوات «الانقلاب».. وهو دور إجادة الإخوان وبرعوا فيه على مدى عقود طويلة، الأمر الذى كان يستجلب لهم قديماً عواطف الجماهير وبسطاء الناس. إن الإخوان وأنصارهم -والقوى الدولية والإقليمية التى تقف داعمة لهم- يراهنون على استنزاف قوى الدولة المصرية، وإنهاكها، وشل حركتها، وتشتيت جهودها، فلا تعرف الاستقرار، ولا يتيسر لديها الوقت والجهد المطلوبون للسير فى برامج التنمية، أو تنفيذ المشروعات المهمة ذات النفع العام، وهكذا.. إن سقوط شهداء وجرحى ومصابين من الجيش والشرطة والقضاء، هو نوع من حرب الاستنزاف.. كما أن عمليات تفجير محولات الكهرباء وأبراج الضغط العالى هى أيضاً نوع من حرب الاستنزاف.. ويمكن اعتبار هروب الاستثمارات وتوقف أو تقلص النشاط السياحى نتيجة لذلك كله هو نوع من حرب الاستنزاف.. والتجنيد المستمر لأفراد -ولو قلة- من المجتمع كى يتحولوا إلى مجرمين وقتلة، كل همهم فى الحياة أن يقوموا بتنفيذ جرائم إرهابية «يتقربون بها إلى الله»، هو أيضاً نوع من حرب الاستنزاف.. ولا شك أن انصراف الجهود إلى مواجهة الإرهاب والإرهابيين، بدرجة أضعفت كثيراً من متابعة كافة الأجهزة الرقابية للفساد بكل صوره وأشكاله، هو نوع من حرب الاستنزاف، خاصة أن كليهما يعتبر وجهين لعملة واحدة.. بل إن استقطاب انتباه واهتمام المجتمع إزاء ما يقع من جرائم، وما يترتب عليه من بث روح الإحباط، هو نوع من حرب الاستنزاف. هل هناك شك فى أن الإخوان وأنصارهم -ومن وراءهم من قوى إقليمية ودولية- يستهدفون إفقاد الشعب المصرى ثقته فى مؤسساته، خاصة الجيش والشرطة والقضاء، وإنهم فى سبيل ذلك يطلقون كماً هائلاً من الشائعات؟! وهل هناك شك أيضاً فى أن قطاعاً من الصحفيين -بقصد أو بغير قصد- يروجون لهذه الشائعات فى إطار السبق الصحفى الكاذب أو الخبطة الصحفية المزيفة؟ وهل هناك شك كذلك فى أن قطاعاً من المصريين -على اختلاف ثقافاتهم- يتلقفون هذه الشائعات ويرددونها دون تثبت أو وعى أو إدراك؟.. هذه الشائعات أصبحت تنتقل بين الناس بسرعة البرق، وتثير غلياناً وأحقاداً وضغائن تفعل فعلها المدمر على المستوى المجتمعى العام.. وعلى المتحدثين الرسميين -كل فى مجاله- أن يسارعوا بإحاطة المواطنين بالمعلومات الصحيحة، وأن يكون هناك اعتذار ومحاسبة عن أى خطأ يقع فى حق أى مواطن، حتى لا يتركوا فريسة سهلة لمخططات مغرضة، محلية أو إقليمية أو دولية.. وأتساءل: من هو صاحب المصلحة الحقيقى فى تأزيم العلاقة بين الشرطة والمواطنين، أو بين الشرطة والمحامين والصحفيين؟ من هو صاحب المصلحة فى إشعال نار الكراهية بين جنبات الوطن؟ أفيقوا يا قوم.. إن الأمر ليس هزلاً، فمصير الوطن وأبنائه ليس رهناً للعابثين أو لعبة فى أيدى خفاف العقول أو أصحاب الهوى ممن يريدون الصعود على أشلاء وطن جريح.. من المؤكد أن المواجهة مع الإرهاب سوف تأخذ وقتاً وجهداً، لكن من المؤكد أيضاً أن استراتيجية حرب الاستنزاف ضد قوى الدولة سوف تفشل فى الوصول إلى أهدافها وغاياتها، شريطة أن نكون على مستوى التحدى؛ فكراً، وتخطيطاً، وإدارة، وهمة، وعزماً، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.