«آباء الفشل»
كان مشهداً عبقرياً، فى رائعة «صغيرة على الحب»، عبَّر فيه الثنائى أبوالسعود الإبيارى ونيازى مصطفى عن طبيعة الحياة فى مصر، النجاح له آباء كثر -أى نجاح- حتى لو كان وصول موهبة فذة إلى شاشة التليفزيون، من فتح لها باب الاستوديو اعتبر نفسه شريكاً فى اكتشافها ونجاحها، وربما لو أتيحت له الفرصة لتحدث عن مشاعره وهو يفتح لها الباب ورؤيته لموهبتها من خلال «فتحة الباب العابرة»، ومن ثم يقينه أنها ستكون نجمة عصرها، لمجرد أنه أدى عمله وقام بدوره وفتح الباب واختصها بتقديم واجب الضيافة، بحكم عمله وليس بحكم فراسته.
هذا المشهد الدال هو ما نعيشه حرفياً كل يوم، ملايين من القافزين على كل نجاح، أو حتى كل محاولة يكتب لها مقومات الوصول، كل ناجح له رعاة وآباء وأمهات وأقارب وأصحاب بشارة.
أتذكر فى أول مقال لى قبل 20 عاماً أحدهم جاملنى بالطريقة نفسها، مؤكداً أنه تنبأ منذ رؤيته لى فى المرة الأولى بالخير، ودليله على تحقق نبوءته أننى نشرت مقالاً وسط الكبار، وأنا التى ما زلت صحفية فى مقتبل حياتى العملية، تشاء الأقدار أن ألقاه قبل أسابيع وسط حشد من الزملاء، فإذا به يسرد نبوءته مجدداً، ليس لى وحدى، ولكن تقريباً لكل الزملاء حضور اللقاء.
وقتها تذكرت محمد صلاح، الحالة نفسها تسرى عليه باختلاف السياق، منذ أن برز اسمه فى ملاعب أوروبا، عادت الأضواء للوراء تبحث فى تاريخه وبداياته عن آباء لنجاحه، هذه أسرة وهؤلاء أصدقاء للأسرة، وهذا صديق شخصي وزميل «تختة»، هذا مدرس وهذه معلمة، لا بأس من مدرب أو كشاف مواهب، كل هؤلاء وأكثر منهم بكثير شاركوا بدور قل أو كبر فى اكتشاف العالمى «مو صلاح»، بعضهم بدور أصيل وبعضهم بادعاء أصيل أيضاً، وقليل منهم، وبشهادة النجم نفسه، كان لهم فضل وليس دوراً، والفارق كبير لمن يعرفه.
لا عيب فى كل ما سبق، ولا غضاضة من محاولة الانتساب لشخص ناجح، أن تنتسب له أو لقصة نجاحه، كلاهما سعى محمود حتى وإن شابته المبالغات التى نقرأها ونسمعها، ويتحول أحدهم بسببها إلى مقدم محتوى بتوصيف من عينة «صديق طفولة النجم الفلانى»، أو «ابن خالة شبيه النجم العلانى»، خاصة أن قلة قليلة من آباء النجاح يملكون قصصاً وحكايات كانت فارقة فى مشوار الناجحين، كانت داعمة ومساندة.
وربما لولاها لما وصل هؤلاء إلى هذه الدرجة من الشهرة وتحقيق الذات، حتماً كلمة السر فى قصص النجاح هي الشخص نفسه بمهاراته وإرادته، ويأتي دوماً الدعم والمساندة فى المرتبة التالية، كلما تيسرا فقدت قصة النجاح كثيراً من عوامل القوة والتأثير والجذب، وكلما تعسرا كان لقصة النجاح مذاق آخر، كون أن صاحبها وصل بذراعه فحسب.
هذا ما نسمعه ونراه عن الناجحين فى كل مجال، ماذا عن الفاشلين؟، ألم يكن لقصص فشلهم رعاة رسميون يساندون ويدعمون؟، ألم يكن هناك من دفعهم لهذا الفشل؟ أو تركهم فريسة وعرضة له؟، لماذا لا يحاسب هؤلاء بقانون نصطلح على تسميته «المسئولية»؟، لماذا لا يعاقب كل مسئول عن إفساد من حوله، أحياناً يكون عدم العقوبة إفساداً أو تمهيداً لفشل أكبر وخطأ أعظم.
فى يقينى أن مسئولاً لم يقم بدوره فى إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة أو فى المستشفى الذى تعمل به، أو فى كلية الطب التى تخرجت فيها، فنتج عن هذا حالة التشوه فى المعايير التى قابلتنا على لسان طبيبة التريند التى افترت على نساء مصر وأطبائها وادعت عليهم قبل أسابيع فى بث مباشر ما ليس فيهم وما لا يستقيم عليه دليل، وحتى إن استقام الدليل، فلا يجوز فيه التعميم بالصورة التى نشرتها.
الطبيبة التى تحاكم بالقانون على جرائمها، يلزم أن يشترك معها فى العقوبة، ولو بحدود أقل، كل من ساعدها وساندها وترك لها الباب مفتوحاً لمثل هذه الممارسات، من ترك الأطباء يتحولون إلى مقدمي محتوى على السوشيال ميديا، يقدمون البث المباشر فى كل شيء، دون اعتبار معايير وأخلاقيات وضوابط المهنة.
فوجئت بطبيب لا يقل فى جرائمه عن طبيبة التريند، متخصص فى جراحات التجميل -وتحديداً «الشفط والنحت والتكبير»- يعرض فيديوهات تكاد تكون فاضحة أو خادشة للحياء، وهو يعاين بنفسه مكان الجراحة، ويتأكد بنظرة عينيه -غير البريئة- أن الأمور سارت بالطريقة التي أرادها، ليسمع الملايين صوت المريضة وهى تشكره بانبهار غير مصدقة للنتيجة التي وصلت إليها، ويحصد المحتوى ملايين المشاهدات والتعليقات التي تود أن تُسمع الطبيب رأيها فى فعله، لكنها حتماً لن تكون أصوات انبهار.
أين كل الجهات التي من المفترض لها أن تكون مراقبة لعمل الأطباء، سواء فى المستشفيات الحكومية أو الخاصة، أو العيادات؟، أين كل مسئول مهمته المتابعة أو المحاسبة عن هذه الأفعال، حتى لو كان نوع المحاسبة لفت النظر وليس التحقيق والحبس والتأديب؟ أين اللجان التي تنبثق عن لجان فى كل وزارة ونقابة وجهة عمل فقط لإحداث الانضباط ومتابعة تطبيق المعايير.. أين آباء الفشل؟ على كثرتهم.