الميليشيات تسيطر

حالة عظيمة من الجدل والتخبط أصابت المنطقة الشرق أوسطية، خاصة «الخليج العربى» لتحقيق إيران جزءاً كبيراً من أحلامها وطموحاتها النووية بعد سنوات الحظر، الحروب غير المباشرة بين إيران وأمريكا، التى تمثلت أعظمها فى الحرب مع العراق، وحروب الميليشيات التى تمولها منذ سقوط العراق فى 2003، وغيرها لم تمنع إيران من تحقيق جزء كبير من مخططاتها. ولكن المشهد الحالى يظهر السعودية مملكة مرتبكة، خاصة بعد محاولاتها إعادة هيكلة تحالفاتها بزيارة «خالد مشعل» الأخيرة للمملكة التى نفاها مصدر رفيع المستوى، مؤكداً أن مشعل جاء ليؤدى العمرة الرمضانية، ولكن المصدر لم يوضح هل كانت عمرة نبوية أم سياسية؟! وأصبحت الآن واضحة بشدة السيطرة الإيرانية الداعمة للحروب بالوكالة التى تشتعل فى سوريا بين جيش النظام والميليشيات، وأيضاً الصراع الطائفى فى العراق والبحرين، وبعض أصابع الاتهام تشير إلى أن إيران متورطة فى تفجيرات السعودية الأخيرة وذلك لإشعال نار الفتنة الطائفية فى المملكة الهادئة دائماً، مما يخدم حتمية تدخل إيرانى لمحاولة إنهاء حالة الفوضى، وتعزز الدراسة الأخيرة التى خرجت من «مجلس العلاقات الخارجية البريطانى» عن جذور الصراع السنى الشيعى فى المنطقة ذلك بكشفها الانتماء السياسى للشيعة الذى يكون بشكل أكبر لدولة إيران التى يعتبرها الشيعة قبلتهم ومصدر حمايتهم، ولا يكون ذلك الانتماء لأوطانهم التى يحملون جنسياتها، مما يجعل خيوط اللعب فى اليد الإيرانية فقط. وربما خطط لكل ذلك وأكثر بعناية فائقة «آية الله الخمينى» عندما أسس لدولته على أساس المذهب الشيعى إبان الثورة الإيرانية ليعزز بها مكانة عقيدته التى لا تمثل، حسب ما جاء بالدراسة البريطانية سابقة الذكر، إلا 15٪ من تعداد مسلمى العالم. المشهد المرتبك والمعقد للمنطقة المشتعلة تظهر فيه ميليشيات تباشر السيطرة فى مناطق عدة باسم الحرس الثورى الإيرانى، وميليشيات تسيطر فى ليبيا وتحجم دور الدولة، وميليشيات تسيطر فى العراق تحمل اسم «الحشد الشعبى»، وميليشيات كردية تسيطر على إقليم كردستان وتحمى مكاسب الاستقلال الذى وعدوا به منذ بداية القرن التاسع عشر، تزامناً مع بوضع اتفاقية سايكس - بيكو، وميليشيات تسيطر فى سوريا وتستنزف قوة دولة لا يمكن القول إلا أنها ما زالت قائمة طالما أن رئيسها «بشار الأسد» لم يسلم مفاتيحها، وميليشيات تسيطر على مساحات الفراغ الجغرافى التى تولدت فى العراق ولا يعرف انتماؤها الدينى بشكل واضح، رغم أنها أطلقت على نفسها اسم «الدولة الإسلامية داعش»، وميليشيات تسيطر على الشارع اللبنانى منذ سنوات والمعروفة باسم «حزب الله»، وميليشيات تسيطر منذ سنوات طويلة على جزء مهم من الشارع الفلسطينى، التى نعرفها جميعاً باسم «حركة حماس»، وميليشيات تسيطر على مقدرات اليمن عرفناها مؤخراً باسم «الحوثيين». ورغم أن الميليشيات لا يمكن أن تتحول باستمرار وطول أجلها إلى جيوش ذات عقيدة وتحمل لواء وشرفاً وجندية، إلا أنها تقوم بالدور الأهم الآن وهو قيادة حروب «قذرة» بالوكالة لا يمكن للجيوش النظامية تدنيس لوائها وشرفها وجنديتها للانغماس فيها. ميليشيات كثيرة انتماءاتها العقائدية المعلنة لنا جميعاً بين عقيدتين «السنية والشيعية» باختلاف التطبيق بين التبسط والتشدد فى كل انتماء عقائدى، ويبدو لى أن إيران التى وضعت أهدافها منذ عقود طويلة كانت تسعى لخلق مكانتها بالسيطرة على منطقتها وإحكام اللعب فيها مثلما شاهدنا على مدار ما يزيد على الثلاثة عقود لتصل إلى أكثر بكثير مما حققته حتى الآن، وسر هذا النجاح للأسف هو حالة الفراغ التى تولدت بعد خروج مصر من المشهد باتفاقية كامب ديفيد، وحتى بعد عودة مصر إلى الحضن العربى ظلت مصر منخرطة فى مشاكلها الداخلية ومكبلة باتفاقات دولية تجبرها على أن تحيا فقط، لتشتعل المنطقة وتصل إلى ما وصلنا إليه من تحقيق حلم إيران الذى كان مستحيلاً. وربما قريباً يتحقق مستحيل آخر لإيران وهو تصالح سعودى إيرانى برعاية أمريكية وللأسف ليست مصرية، الأمر الذى سينهى تماماً الدور المصرى لقيادة المنطقة أو على الأقل لعب دور مهم فى رسم مستقبلها، ولذلك يجب على الدولة المصرية التحرك سريعاً للحفاظ على دورها ومكانتها التى تتآكل. فى النهاية إذا تحقق هذا التصالح الذى أتوقعه ربما يكون خطوة لانتزاع إيران من حظيرة الدب الروسى أو ربما لإحكام القبضة الأمريكية بشكل أكبر على السعودية التى أظهرت نذر التمرد فى الفترة الأخيرة. ودمتم.