«أرياط» و«أبرهة»
انتحر «ذو نواس» غرقا في البحر، وأصبح مشهودا من العالمين، وهو الذي كان بالأمس شاهدا وعلامة على غطرسة القوة ضد أهل نجران، ووقف الشاهد الجديد القائد «أرياط» ونائبه «أبرهة» ومجموعة الشهود على اللحظة الزاحفة أمام شاطئ البحر ينظرون إلى المعادلة الجديدة التي تتشكل من «شاهد ومشهود».
بات «أرياط» هو الشاهد الفاعل الأهم على مسرح اليمن والجالس على منصة القوة بها، وفي الخلفية الأهم كان يكمن «أبرهة» الأشرم نائبه ومنافسه الأول على حكم اليمن، وفي الخلفية الأقل أهمية توارى أتباع «ذي نواس» من معتنقي اليهودية الذين أصبحوا مشهودين بعد أن كانوا بالأمس شهودا على الظلم: «وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ».
بدأت معادلة «الشاهد والمشهود» في إعادة التشكل، لكنها ظهرت هذه المرة داخل أوساط الفيلق الحبشي الواحد الذي تمكن من قهر «ذي نواس» وإخضاع اليمن لحكم الأحباش، فالمنافسة التي نشأت بين أرياط وأبرهة أدت إلى انقسام الجيش عليهما، فأيدت مجموعات منه «أرياط»، وأيدت أخرى «أبرهة»، وبدأت العلاقة تتوتر بين الفريقين وباتت المعركة الفاصلة ما بينهما قريبة جدا، الكل كان يشعر بذلك، بمن فيهم أرياط وأبرهة.
أرسل «أبرهة» إلى «أرياط» يحذره من مغبة المواجهة القتالية المتوقعة بينهما، وأنها ستؤدى إلى فناء الأحباش، وانتهاء النصرانية باليمن، وعودته مرة ثانية إلى قبضة اليهود، وبناء على ذلك اقترح «أبرهة» على «أرياط» أن تجمع بينهما مبارزة حرة، وقال له: «أينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده» فرد عليه أرياط: أنصفت.
يقول «ابن كثير» في «البداية والنهاية»: «فخرج إليه أبرهة وكان رجلاً قصيراً لحيماً وكان ذا دين فى النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً جميلاً عظيماً طويلاً وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته، فبذلك سُمى أبرهة الأشرم وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن».
بفضل الخيانة امتلك «أبرهة» المشهد، فقد تواطأ مع عبد قوى له -اسمه عتودة- ورتب معه إن مال ميزان القوة لصالح «أرياط» أن يتدخل ويغدره من ظهره، وقد فعلها «عتودة» وقتل «أرياط» في لحظة كان فيها الأخير يستعد للإجهاز على خصمه، بعد أن رماه بحربته يريد رأسه فوقعت الحربة على جبهته فشرمت مواضع عديدة من وجهه.
في اللحظة التي كان «أرياط» يستعد فيها لكي يكون الشاهد الوحيد (الفاعل الوحيد) بعد أن كاد يظفر بأبرهة، تحول إلى مشهود، وأصبح كل الجنود الأحباش شهودا عليه، حين غدره «عتودة» ليتحول إلى شاهد سائد على كل الجند وعلى كافة أنحاء أرض اليمن.. في لحظة تحول أبرهة من مشهود إلى شاهد وأرياط من شاهد إلى مشهود.