نيل بلا صاحب

كان المصرى القديم عندما تصعد روحه إلى السماء ويقف أمام ملك الملوك يقسم أنه «لم يكذب ولم يخن ولم يؤذ أحداً ولم يلوث ماء النيل أو يسئ إليه».. كان النيل مقدساً لدى أجدادنا لأنهم يعرفون قيمته، ويعرفون أنه مصدر الحياة لمصر، لذا فقد كان النيل وفياً معهم، وكان فياضاً بكل ما هو جميل.. أما نحن، فنعتقد جازمين أنه نيل بلا صاحب، وأنه مجرد ترعة أو مصرف.. إذ لا يمكن تفسير تصرفاتنا معه إلا من خلال هذا التصور، ولا يمكن تفسير هذا الكم من الإهمال أو بالأحرى الاستهبال باستخدام اللفظ المهذب، إلا من خلال هذا التصور.. نحن شعب لا نقدّر ما لدينا من ثروة، ولا نحسن التعامل مع نهر النيل. عندما تحجز فى فندق به حمام سباحة، تضع إدارة الفندق مجموعة قواعد على نزلاء الفندق الالتزام بها عند استخدام هذا الحمام، منها أنه لا يجوز نزول الحمام بعد الخامسة مساءً، ول بد من وجود مراقب، ولا بد من وجود الزى المناسب.. القواعد نفسها مع بعض التعديل عندما يكون لهذا الفندق مكان على شاطئ البحر.. وفى كل الأحوال لا بد من الالتزام بهذه القواعد والعمل بها.. أما نحن فمن الملاحظ أننا نتعامل مع النيل على أنه مجرى لا تحكمه معايير، ولا توجد قوانين حاكمة له.. كل من يريد أن يفعل شيئاً بالنيل وفى النيل فمن حقه أن يفعله بغير حساب.. من يريد أن يلوثه فليفعل، ومن يريد أن يستخدمه فى نقل أشياء مخالفة فليفعل، ومن أراد أن ينقل البشر بدون تراخيص ويقيم الأفراح والليالى الملاح بدون مراعاة لأى ضابط أو قواعد السلامة فليفعل.. كله مباح، وكله ماشى، وكله بدون حساب.. فى الغرب توجد قاعدة عامة يتم التعامل بها مع الموظفين والمسئولين وهى «ليكن خطؤك الأول خطأك الأخير»، لا تسمح الدول المتقدمة بتكرار الأخطاء.. وفى المقابل، نحن شعب أدمن تكرار الأخطاء فى كل شىء.. وبخاصة فى تكرار التسامح فى التعامل مع قضايا الإساءة إلى النيل والاستهتار بحياة البشر.. فى كل يوم نصحو على «مصيبة»، وفى كل يوم نقوم على «كارثة».. القصص واحدة، والمشاهد واحدة، وجوانب القصور هى ذاتها وبالملّى، والأغرب أن ردود أفعالنا المستهجنة هى نفسها، حيث لا يعقبها أى رد فعل إيجابى، ولا تصرفات تمنع تكرار هذه الأخطاء.. وفى الغرب أيضاً يهتمون بما لديهم.. لو لديهم بحيرة صناعية تجدهم يوفرون لها كل القواعد وكل الضمانات لكى تصبح مزاراً عالمياً.. نحن نجيد تشويه معالمنا، وعدم الاستفادة منها.. نحن لا نحترم الملكية العامة، ولا نصون الملكيات الفردية.. نحن شعب فى أغلبه مهمل فى العناية بهذه الثروات التى لا تقدر بثمن.. ودعونى أبشركم.. سنسمع بعد سنوات عن حادث مركب الوراق من جديد.. وسنسمع عن استمرار حالات الاعتداء على النيل، وسنسمع نفس صيحات الاستهجان، ونفس نغمات الأنين على الفيس بوك وتويتر.. وسيستمر صراخنا أياماً، ثم تعود ريما إلى عادتها القديمة، وتعود حياتنا إلى ما كانت عليه من الفوضى وعدم تحمل المسئولية.. هذا حديث ما مضى من أحداث مماثلة، وحديث ما سيحدث من حوادث مستقبلية.. وفى كل الحالات، لنا الله، حيث لا ملجأ منه إلا إليه.. ورحم الله أموات وضحايا حوادث التسيب والإهمال والاستهبال اليومية فى نهر النيل الخالد رغم إساءاتنا إليه المتكررة.