«الهجرة» لدى المتطرفين (2)

ترى جماعة «التكفير والهجرة» أنه لا قيمة للتاريخ الإسلامى، ولا لأقوال العلماء المحققين ولا لأمهات كتب التفسير والعقائد، بزعم أن هؤلاء العلماء مرتدون عن الإسلام. ولذا دعت الجماعة إلى ترك المدارس والجامعات والمعاهد إسلامية أو غير إسلامية لأنها، فى نظرهم، مؤسسات الطاغوت وتدخل ضمن مساجد الضرار، التى لا يجوز إقامة الصلاة فيها. ووصفوا الدعوة لمحو الأمية بأنها دعوة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام، الذى لا يكون إلا ما يتلقونه فى حلقاتهم الخاصة.

وتقوم أفكار هذه الجماعة أيضاً على تكفير مرتكب الكبيرة، ويرون فى الإسلام جملة من الفرائض، من لم يؤدها أو قصَّر فيها أو ترك بعضاً منها، فلا يعتبر مسلماً. كما تبنت الجماعة قاعدة «التوقف والتبين» مع آحاد المسلمين، والتى تعنى التوقف عن الحكم على من هو خارج جماعتهم حتى يتبين حاله، فيما تكون البينة هى لزوم الفرد جماعتهم ومبايعة إمامهم، أو من ينوب عنه، فمن أجاب إليها كان مسلماً ومن رفضها كان كافراً. كما رفضت الجماعة الإجماع، ومنعت التقليد، وكفرت المقلد، ونبذت آراء الصحابة وأقوالهم. بل ذهبت إلى القول بترك صلاة الجمعة لأنهم فى مرحلة استضعاف، وأن من شروط الجمعة التمكين، وأباحت لنفسها الكثير من السلوكيات المحرمة وفق مبدأ «تعارض الفرائض».

وزعمت الجماعة أن أميرها شكرى مصطفى هو مهدى هذه الأمة المنتظر، وأن الله تعالى سيحقق على يد جماعته ما لم يتحقق على يد محمد (صلى الله عليه وسلم) من ظهور الإسلام، وما لم تحققه الأديان أيضاً، بل كانت تعتقد فى أن دورها يبدأ بعد أن تُدمّر الأرض بمن عليها بحرب كونية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، الذى انهار عام 1991، تنقرض بسببها الأسلحة الحديثة كالصواريخ والطائرات وغيرها ويعود القتال كما كان فى السابق رجلاً لرجل بالسلاح القديم من سيوف ورماح وحراب، الأمر الذى يسهل عليها أن تنفذ الفتح الذى تؤمن به على غرار ما جرى فى صدر الإسلام.

إن الهجرة فى هذه الحالة تعنى ترك المجتمع وبناء نواة اجتماعية مختلفة، بدعوى أنه «مجتمع جاهلى»، تحكمه سلطة كفرية، تطبق قوانين وضعية، ولذا يجب على أتباع الجماعة، الذين يعتبرون أنفسهم هم المؤمنين فقط، ألا يمكثوا فيه، ويعايشوا أهله الذين يرونهم كفاراً، إنما وجب عليهم أن يرحلوا عنه، ليقيموا هم مجتمعهم الخاص الذى يتماشى مع الأفكار التى يعتقدون فيها.

وقد يؤدى الإيمان بمبدأ الهجرة إلى حدوث «الاقتطاع، أى نزع جزء من جسد دولة أو من مدينة من المدن، لإقامة «وطن بديل» أو «مجتمع بديل»، يتم فيه تطبيق أفكار الجماعة المهاجرة، بعد أن تمتلك وسائل للسيطرة والتحكم داخل المجتمع، إما بإقناع عدد كبير من سكانه بالفكرة المتشددة، وتوظيفهم فى السيطرة على الباقين، أو باستغلال التهميش الاجتماعى وغياب سلطة الدولة على حى أو إقليم، وملء هذا الفراغ، أو بالتغلب بالقوة القاهرة على السكان، وإخضاعهم لتصورات الجماعة أو التنظيم.

وهناك أمثلة كثيرة فى هذا الشأن، منها ما يخص اقتطاع إقليم من الدولة، مثلما جرى فى مالى والصومال والعراق، ومنها ما يخص السيطرة على حى من أحياء مدينة كبرى، حسبما جرى فى القاهرة فى أوائل تسعينات القرن العشرين حين قامت «الجماعة الإسلامية» بالسيطرة على حى إمبابة، وأعلنت أنه بات «دولة داخل الدولة» مما دفع السلطات المصرية إلى حشد عشرين ألف جندى من قوات الأمن، لإزالة هذه الدولة المزعومة، وهو ما تم فى ساعات معدودات.

وعند القطبيين من «جماعة الإخوان المسلمين» تكون الهجرة أحياناً بالانفصال أو العزلة الشعورية عن سائر المجتمع، أو تكوين ما يسمى «دولة الفكرة»، حسبما ينظر لها العضو فى جماعة الإخوان محمد فتحى عثمان، الذى يرى أن هذه الدولة هى حلم البشرية، وهى دولة لا تقوم على حتمية ظروف الأرض أو الدم، ولكنها تقوم فى نظره على «اختيار» الإنسان، بوعيه الكامل وإرادته الحرة، وعلى أساس أن كل أرض سواء، وكل سلالة سواء.

ويسند «عثمان» رؤيته هذه إلى ما يراها الدولة التى أقامها الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى المدينة، ويصفها بأنها كانت «تجربة حية مبكرة للدولة الأيديولوجية فى التاريخ! وأنها لم تكن دولة مكة أو قريش ولا دولة المدينة أو الأوس والخزرج، بل كانت دولة الإسلام، المعروض على عقل إنسان، دولة التقى فيها المهاجرون والأنصار، مع صهيب الرومى وبلال الحبشى، وسلمان الفارسى. فكانوا جميعاً أعضاء مؤسسين ومواطنين أصلاء فى هذا المجتمع وهذه الدولة».