القوة الناعمة في عهد عبدالناصر

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كلما شاهدت فيلما أنتج في زمن خمسينيات وستينيات القرن الماضي أدركت كم كانت مصر مدركة لأهمية القوة الناعمة التي لم يكن مفهومها الحالي قد تبلور بعد، حيث ظهر مفهوم القوة الناعمة على يد جوزيف ناي في بدايات التسعينيات، كانت أدوات القوة الناعمة «السينما، والصحافة، والراديو والسياسة الخارجية المؤثرة في دول العالم الخارجي» حاضرة في ذلك الزمن، وهو ما ساعد الزعيم على توثيق علاقات مصر مع دول العالم وكذلك ترسيخ نظامه في الداخل.

شهدت مصر في عهد الرئيس جمال عبدالناصر مرحلة مفصلية في تاريخها، حيث لم تقتصر قوته على الجوانب العسكرية والسياسية فحسب، بل استخدم الثقافة والفنون كأدوات فاعلة لترسيخ النظام وخلق هوية وطنية جديدة. برع عبد الناصر في استخدام ما يُعرف بالقوة الناعمة – وهي القدرة على التأثير من خلال الثقافة، الفنون، الإعلام، والتعليم، وغيرها من المجالات التي تبني القوة بدون الحاجة لاستخدام العنف أو القهر. كانت الثقافة والفنون جزءًا أساسيًا من استراتيجية عبد الناصر في حشد الجماهير وتعزيز مكانته.

كانت السينما في عصر جمال عبدالناصر أحد أبرز وسائل القوة الناعمة التي استخدمها في نشر أفكار الثورة والمشروع الوطني. استفاد عبدالناصر من السينما لتجسيد القيم الثورية وتقديم صورة جديدة لمصر الحديثة، حيث تم إنتاج العديد من الأفلام التي تتناول البطولات الوطنية التي سلطت الضوء على القيم والتضحية من أجل الوطن. هذه الأفلام ساعدت في بناء هوية جماعية جديدة ترتبط بالقوة والتقدم الوطني، وأظهرت النضال المصري على الصعيدين المحلي والدولي.

كان الإعلام في عصر عبدالناصر عنصرا أساسيا في دعم النظام وترسيخ شرعيته. عمل عبدالناصر على تحويل الصحافة والإذاعة إلى أدوات دعائية قوية تُسهم في تشكيل وعي الشعب المصري والعربي.

كانت الإذاعة المصرية تتبنى خطابًا يحث على الوحدة الوطنية، ويعرض الإنجازات السياسية والاقتصادية، فضلا عن الترويج لمبادئ الاشتراكية والقومية العربية. كان برنامج «صوت العرب» مثالاً حيًّا على تأثير الإذاعة الناصرية في المنطقة العربية، حيث نقل رسالة الثورة المصرية إلى أرجاء العالم العربي، ما عزز من شعبيته وقدم صورة مصر كقائدة لحركة التحرر.

لم تقتصر وسائل الإعلام على الإذاعة فقط، بل كان للصحافة دور محوري في تشكيل الرأي العام في عهد عبد الناصر. كان النظام يوجه رسائل القيادة للجماهير، ما يعزز من مفهوم الوحدة الوطنية ويشجع على المشاركة في مشاريع التنمية القومية.

كان عبدالناصر يحمل رؤية قومية عربية تتجاوز حدود مصر، وكان يستخدم الثقافة كوسيلة لخلق هوية عربية مشتركة. من خلال البرامج الثقافية التي كانت تبث عبر الإذاعة والسينما، إضافة إلى دعم الفنون والموسيقى، سعى عبدالناصر إلى بناء جسر من التواصل بين الدول العربية. كما أسهمت الفنون في نشر القيم الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بالثورة والعدالة الاجتماعية، ما عزز شعور الشعب العربي بالتضامن والوحدة في مواجهة الاستعمار والتحديات.

كانت الأغاني من الأدوات القوية التي استخدمها عبد الناصر للتأثير في جماهيره. على رأس هذه الأغاني، كانت الأغنية الوطنية التي حملت رسائل تحفيزية ومشجعة على الانضمام للثورة والعمل من أجل بناء مصر الحديثة. لعبت الأغاني دورًا مهمًا في تحفيز المواطنين على المشاركة في العمل الوطني، وخلق روح من التفاؤل والتضامن. كما أسهمت الأغاني التي قدّمها كبار المطربين مثل عبد الحليم حافظ، في تشكيل صورة النظام الناصري كقوة تقدّمية وشعبية.

من خلال تبني سياسات تعليمية تهدف إلى نشر الثقافة الحديثة، عمل عبدالناصر على تكوين جيل جديد من الشباب المثقف والواعي بأهمية مشاركته في البناء الوطني. التعليم كان جزءًا من الرؤية الناصرية لبناء المجتمع الاشتراكي، حيث تم تطوير المناهج الدراسية لتشمل قيم الاشتراكية، القومية العربية، والمساواة. إضافة إلى ذلك، سعى النظام إلى محو الأمية في الريف المصري، ما جعل الثقافة والتعليم جزءًا من استراتيجية التأثير المجتمعي.

لم تقتصر الفنون الناعمة على السينما والموسيقى فحسب، بل شملت أيضًا الفنون التشكيلية. في عهد عبدالناصر، تم دعم العديد من الفنانين التشكيليين الذين استخدموا أعمالهم لتصوير القيم الوطنية والعربية. فالرسم والنحت أصبحا وسيلتين لرواية تاريخ مصر وتقديم رموز ثورية. من خلال هذه الفنون، سعى عبدالناصر إلى تعزيز مفهوم الهوية الوطنية وتوجيه الوعي الشعبي نحو رموز الثورة والتحرر.

كان استخدام جمال عبد الناصر للثقافة والفنون كأداة من أدوات القوة الناعمة أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت في ترسيخ نظامه وحشد الجماهير حوله. من خلال السينما، والإعلام، والفنون، استطاع أن يخلق صورة إيجابية عن مصر الجديدة ويساهم في بناء هوية وطنية متماسكة. تلك الأدوات لم تكن مجرد وسائل ترفيهية، بل كانت عناصر أساسية في نشر الأيديولوجية الناصرية وتعزيز وحدة الأمة المصرية والعربية.

وقد شهد مفهوم القوة الناعمة تألقاً ورواجا عند نهاية القرن العشرين، وأصبح موضع اهتمام مراكز الأبحاث والدوائر السياسية، والثقافية، والأمنية، والعسكرية، والأكاديميين، والنخب في الدول التي تمتلك أدوات القوة الناعمة، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية التي أنتج مفكروها فلسفة المفهوم بأبعاده المختلفة، لكن لم يدخل المفهوم حيز التداول في البلدان العربية، والإسلامية إلا مؤخرا عند تنبه النخب والسياسيين، والقادة لهذا المفهوم فأصبح محل اهتمام الدوائر المختصة، ووسائل الإعلام الواعية، كانت مصر سباقة في هذا المضمار.          

لعل من أخطر ميزات القوة الناعمة أنها غير محسوسة، فلا ترى بالعين المجردة، وإنما هي قدرة التأثير عن طريق الجذب والأغراء دون الإكراه والإرغام وتهدف إلى السيطرة على البيئة السياسية والثقافية والإعلامية والمعلوماتية للنظام المعادي، والسيطرة في الحقلين الثقافي والسياسي، تمهيدا لممارسة التوجيه والتحويل التدريجي لعقول وقلوب النخبة القيادية. فالقوة الناعمة تغزو الأفكار والقلوب دون الأبدان وتؤسس جيشا من الموالين بدلا من الجيش العسكري.