في نقد «أستاذية العالم» (1)

ورد مصطلح «أستاذية العالم» في تعاليم مؤسس «جماعة الإخوان» حسن البنا، ضمن سعي أفصح عنه بوضوح حين جعل مهمتها هي: «سيادة الدنيا، وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة، وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس»، لتبقى الفكرة هنا ذات خيال جامح أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، فضلا عن آثارها السلبية على وضع «الدولة الوطنية» أو «القومية»، حيث يتم الخصم من مصالحها ومعلوماتها لحساب التنظيم الدولي للإخوان.

وهذا النزوع عالمي الطبع حدا بـ«البنا» إلى إنشاء قسم خاص ضمن الهيكل التنظيمي والإداري للجماعة أطلق عليه اسم «قسم الاتصال بالعالم الإسلامي» وأتى الكثير من خطبه وخطاباته وتعاليمه لتغذي هذا التوجه عبر عدم الاعتراف بالحدود الجغرافية الآنية للدول، والدعوة إلى إحياء «الخلافة الإسلامية».

ففي حديثه عن «مراتب العمل المطلوبة» أوردها «البنا» متسلسلة لتبدأ من إصلاح الفرد نفسه، ثم بيته، وبعدها يُرشد مجتمعه، فيحرر وطنه من كل سلطان أجنبي، غير إسلامي، سياسي أو اقتصادي أو روحي، وبعدها يبدأ إصلاح الحكومة لتكون إسلامية، تمهيدا لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بـ«تحرير أوطانها، وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة»، ليبلغ ما يُسمى بـ«أستاذية العالم».

وبمعنى آخر، رسم «البنا» معالم بلوغ هذا الهدف من خلال حديثه عن تكوين الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم، فالدولة المسلمة، ومنها إلى استعادة «الخلافة»، وهي صيغة أممية عرفها العالم في القرون الوسطى، واستمرت في شكل إمبراطوريات متعاقبة حتى قيام «الدولة القومية» في القرن الثامن عشر، وصولا إلى «أستاذية العالم».

وترتبط العالمية في ذهن «البنا» بثلاثة أبعاد؛ الأول موصول بوظيفة الدولة في نشر الدعوة والجهاد حسبما تتصور الجماعات السياسية الإسلامية، والثاني مرهون بتصور «البنا» للهوية، وهي عنده «الأخوَّة الإسلامية» التي توحد البشرية جمعاء تحت راية الإسلام، أما الثالث فمحمول على مسألة «التمكين» الذي يسعى الإخوان إلى بلوغه، وهو في نظرهم لم يحدد بدولة من الدول، إنما يعني بالأساس تمكين فكرتهم ورؤيتهم في الأرض كلها.

ولذا يمثل الإخوان العمود الفقري لهذا التصور من منطلق ظنهم أنهم هم وحدهم من يمثلون صحيح الإسلام في صيغته المعاصرة. فرغم أن «البنا» تحدث عن فرد مسلم، وأسرة مسلمة، فإنه كان يقصد الأسلمة وفق أفكار الإخوان، فالفرد في نظره هو «الفرد الإخواني» وكذلك الأسرة، التي هي في حقيقتها «أسرة أيديولوجية» من نوع خاص، وليست «بيولوجية» مثل ما هو متعارف عليه في المجتمع البشري، أو لدى علماء الاجتماع في حديثهم عن الجماعات الرئيسية في مقابل الجماعات الثانوية.

وأورد «البنا» في «رسالة التعاليم» أن أستاذية العالم تعني «نشر الإسلام في ربوعه»، لكنه أتبع تحديده هذا الهدف بالاستعانة بالآية القرآنية: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ»، مقتطعا إياها من سياقها، ليوظفها في خدمة غرضه، أو مفرطا في تأويلها لتعينه على السبيل الذي اختاره لجماعته كي تتسيّد وتسيطر.

ولم تبرح الجماعة، عبر تاريخها، فكرة مؤسسها عن «أستاذية العالم»؛ فها هو مرشدها محمد بديع يقول خلال إحدى رسائله الأسبوعية عام 2011، بعد سيطرة الإخوان على البرلمان في مصر، وكانوا وقتها قد اقتربوا من الوصول إلى الرئاسة: «الجماعة أصبحت قريبة من تحقيق غايتها العظمى والتي حددها الإمام حسن البنا وذلك بإقامة نظام حكم عادل رشيد بكل مؤسساته ومقوماته، يتضمن حكومة ثم خلافة راشدة وأستاذية العالم»، وكرر نائبه خيرت الشاطر هذا الرأي، حين قال في التوقيت نفسه: «الإخوان يستعدون للحكومة الإسلامية كمرحلة تالية، لتطبيق نهضة مجتمعية على أساس مرجعية إسلامية تهدف للوصول إلى مرحلة أستاذية العالم».

وقد ألّف بعض أعضاء الجماعة أناشيد عديدة تدور حول هذا المعنى منها:

«ملكنا هذه الدنيا قرونا.. وأخضعها جدود خالدونا».

كما ينشد الإخوان:

«في سبيل الله قمنا.. نبتغي رفع اللواء».

واللواء هذا في فكر الجماعة هو «لواء الإسلام كما تتصوره»، ورفعه لا يكون في مجتمع محدد، أو دولة معينة، إنما في العالم أجمع، عبر إشاعة الفكرة في الأرض، وتجنيد الأتباع لها، في أي مكان، وعلى قدر الاستطاعة، شريطة أن يلتزم هؤلاء بـ«الولاء» للجماعة، و«البيعة» لمرشدها، والسمع والطاعة التامة لتعاليمها.