في نقد «أستاذية العالم» (4)

هناك مثل واضح يعيد صياغة مفهوم «أستاذية العالم» بطريقة مختلفة عند وحيد عثمان، أحد قيادات تنظيم «جماعة المسلمين»، المعروف إعلامياً باسم «التكفير والهجرة»، حين قال فى حوار أُجرى معه عام 1993: «إن إمام جماعة المسلمين -يقصد شكرى مصطفى- قد قال إننا سنظل مستضعفين فى الأرض إلى أن نرثها ومن عليها. وقد بشّرنا رسول الله أن العالم سيكفر ويطغى، يقضى الكافرون على بعضهم، وتخرج جماعة المسلمين لرفع راية الدين بالرمح والفرس، وها قد ظهرت البشائر بنهاية إمبراطورية الشيوعية الظالمة، وننتظر أن تقضى أمريكا وأوروبا على بعضهما البعض، ونخرج نحن على الفرس والرمح لنُصرة الإسلام، ونشره فى أنحاء الأرض».

وينطلق هذا الفكر من اعتقاد عام بأن الأمة الإسلامية يجب أن تسود البشرية وتقودها من جديد، حسبما يرى سيد قطب، ولهذا تنكأ جماعة «الإخوان» وغيرها جرح الكبرياء عند المسلمين، وتستدعى مواقف القوة والعزة فى أيام عز الإمبراطورية الإسلامية، بمختلف مراحل تطورها التاريخى، لتوظفها فى خدمة مشروعها دون الوقوف طويلاً عند ما قد يطال صورة الإسلام جراء هذا من خدوش عميقة، أو عند مصلحة المسلمين وحالهم فى الوقت الراهن، ودون سعى حقيقى لامتلاك وسائل القوة من الاهتمام بالعلم والأخذ بأسباب التقدّم الحضارى.

وهناك من يرى أن هذه الفكرة متغلغلة فى النفسية والعقلية العربية، لتعبر التقسيمات الطائفية والطبقية والمذهبية والسياسية، حتى لدى تيارات سياسية وفكرية، تناصب الجماعات الإسلامية العداء، لكنها تأخذ صياغات أخرى، مثل شعار القوميين العرب، من الناصريين والبعثيين، الذى يتحدث عن «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة».وقد وجدنا أحد رموز الليبرالية العربية يجارى هذه الفكرة، ولو من قبيل التحايل أو المداراة، فها هو د. سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع السياسى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، يقول تعليقاً على تبنى الإخوان لأستاذية العالم: «رغم أننى لا أنتمى إلى جماعة الإخوان، ولا تربطنى بهم صلة من قريب أو بعيد، فإنهم إن استطاعوا تحقيق هذا الحلم فأهلاً ومرحباً، لأنه مجد لمصر، فالأستاذية وفق أى مسمى، وبأى طريق، ستصب فى مصلحة مصر تحت أى غطاء حاكم، سواء كان إسلامياً أو قومياً أو حتى ملحداً».

وبالطبع فإن فكرة «أستاذية العالم» ذات وظيفة تعبوية، إذ طالما تم استخدامها فى تجنيد وحشد وتعبئة الشباب للانضمام إلى هذه الجماعات وتلك التنظيمات، بدءاً من تنظيم «الفنية العسكرية»، الذى ظهر فى مصر عام 1974 وحتى تنظيم «داعش»، وقد لبست هذه الفكرة لبوس الكفاح من أجل الخروج من الانحطاط، والتصدى للحملات الاستعمارية ضد الأمة الإسلامية.ويبدو أن «البنا» كان يدرك أن تحقيق «أستاذية العالم» بالكيفية التى نادى بها هو أمر خيالى، أو من الصعب بلوغه، ولذا يقول: «ما أثقلها تبعات، وما أعظمها مهمات، يراها الناس خيالاً، ويراها الأخ المسلم حقيقة، ولن نيأس أبداً، ولنا فى الله أعظم الأمل (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون)».

وقول البنا هذا لا يعكس بالضرورة ثقته فى الوصول إلى هذه الغاية البعيدة، لكنه ينم، بالدرجة الأساسية، عن فهمه لدور هذا الطرح فى تعبئة الأنصار، وربطهم بدور كبير، يعتقد كل منهم أنه منوط به، حتى لو تشكك فى إمكانية حدوث هذا على أرض الواقع.فى خاتمة المطاف، حين توضع هذه الفكرة فى ميزان «الإسلام الصراطى» أو المنتمى إلى الينابيع الأولى، نجد أن القرآن الكريم لا يقرها، إذ لا ينادى بجهاد الطلب التى اخترعها فقهاء لخدمة رغبات بعض الخلفاء فى توسيع ملكهم، فكل الآيات التى تتحدث عن القتال تشترط أن تكون الحرب دفاعية وعادلة، وتأمر المسلمين بألا يعتدوا، ومنها: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، و«وقاتلُوا فى سَبيل اللهِ الَّذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين».