مووو يعقوب
يوم ستسطع شمسه، هكذا تُحدثنا خرائط الطقس عن 16 نوفمبر المقبل، والذى تم تخصيصه للاحتفال بـ«يوم التقدير»، وهو احتفال مصرى خالص، سيوجهه الملايين لمن وقف على عرين قلوبهم يحميها، قضى حياته كاملة لترسيخ مجموعة من القيم من خلال عمله، لم يفعل شيئاً سوى أنه عمل وعمل وعمل؛ حتى كُتب عند الله «قديساً»، وكُتب عند المصريين وسائر أجناس الأرض «ملاكاً حارساً»، فى كل نبضة قلب تدب الحياة فى جسد أحدهم يرج الهتاف بالدعاء لـ«موووو» يعقوب القلوب.
أتصور أن تتحرك الدولة سريعاً لإقرار اليوم، ففيه جاء البروفيسور المصرى ابن الشرقية إلى الحياة، وبدلاً من أن يخصص اليوم للاحتفال بعيد ميلاده، نحن أوْلى بتحويله إلى ذكرى للتقدير لكل من يستحقه.. أتصور أن ورقاً فارغاً موزعاً بعناية فى كل الأماكن العامة ووسائل المواصلات، ليكتب المصريون كلمة لمن يريدون تقديرهم، تخصص الصحف والمواقع صفحات البريد والتفاعل مع الجماهير للتعبير عن التقدير، تفتح الإذاعات مدداً من هوائها للاستماع لرسائل مستمعيها لمن يريدون تقديرهم، أما الشاشات.. فللاحتفال وقت لا بد أن يحضر فيه أبطال هذا اليوم، سواء بشخوصهم أو سيرتهم، المهم أن يحضروا.. فى كل ما سبق سيحظى «موو يعقوب» بنصيب الأسد، كونه من القلائل الذين استمر عملهم وسعيهم وتأثيرهم وفضلهم على الملايين، دون أن تتلوث سيرته برأى يهدم معتقداً، أو خلاف يحيله طرفاً فى نقاش، إذ إنه كان وظل وسيظل فى مرتبة دونها الجميع.
وليستعد كل منا لورقته، من الذى ستحتفل به فى يوم التقدير، وماذا ستكتب فى الاحتفاء به؟.. بداية لا بد أن نفرق بين التقدير على فعل خاص عاد أثره المباشر عليك، وبين التقدير على فعل انعكس أثره على البشر، إذ إننى لا أتابع مباريات كرة القدم، ولا أرى فارقاً معتبراً بين التسلل والأوفسايد سوى ثقافة المعلق، لكننى أفرح فرحة طفل صغير كلما طار موو صلاح فى الهواء محتفلاً بهدف فى مرماهم، ليس مهماً بالنسبة لى مرمى مَن، الأهم أننا أصحاب الهدف، لذا سيكون لصلاح رسائل معتبرة فى يوم التقدير.. وبالوتيرة نفسها، إذا كان لصلاح كلمات، فالأوْلى أن تكون لـ«موو يعقوب» صفحات، إذ إن أثره تجاوز المتخصصين والمريدين، وبلغ مداه أن لَمَس البشر أجمعين، والحقيقة أن هذا المدى لم يتحقق بفضل العلم الذى يفيض به الرجل يوماً بعد يوم، ولا بفضل الاكتشافات التى تكتب سطوراً فى عمر البشرية على يديه، لم يتحقق لشخص الطبيب مجدى يعقوب قدر ما تحقق بشخص الإنسان مجدى يعقوب، إذ إنه جمع الحسنيين، الذكاء والحكمة معاً.
لا فارق تقريباً بين فعله وحديثه، من يروّجون عنه أنه لا يجيد الحديث مُحقّون، لم يُخلَق للكلام، لم يكن الحديث صنعته الأولى، لقد خُلق لما هو أكبر وأعظم، يفعل ويترجم عنه الملايين أفعاله إلى كلمات، لكنه ليس صامتاً على الدوام، مرات قليلة يحيل صمته إلى حديث هو ملخص الحكمة، ترى فى حديثه وصايا نبى الله داوود لابنه سليمان، يستخلص من قوله قيماً وأفعالاً لو سار عليها البشر لارتاحوا فى الدنيا وتركوا إرثاً للآخرة، كلما تحدث السير «مووو يعقوب» أتذكر نصيحة أستاذى حين قال لى «الصحفى المتميز هو من يجيد توجيه وإدارة نفسه، ومن ثم توجيه الرأى العام، إما بما يكتب مباشرة كرأى، أو بما يتناوله من موضوعات صحفية»، اعتقدتها بداية نصيحة قاصرة على العمل الصحفى وأبجدياته، قبل أن أكتشف أنها منهج عمل يليق بكل ذكى فى كل مجال، فما بالنا وأنه جمع الذكاء والحكمة، وسار على مدار سنوات عمره التى قاربت الـ90 يدير نفسه بخطوات ذكية، ويوجه الرأى العام العلمى والإنسانى بأفعال وتصرفات ترقّيه مع صنف الملائكة لا البشر، لدرجة أن بعضهم يتصوره من قال «أحبوا أعداءكم» ويُصبغ عليه من صفاته.
فى يوم التقدير المرتقب أقف على عتبته، أبحث عن ما أكتبه فى صفحته وبأى لغة، يتحدث لغات كثيرة، لكنه لم يترك العربية، لم يخطئ ولو مرة فى التعبير عن ما يجيش فى صدره بلسان عربى بسيط وقريب، يكفينى تواضعه حين يقول «لا أستحق كل هذا»، وأرده عليه «مَن إذن يستحق»؟، يكفينى أنه ينسب كل فضل لفريق عمله، وأرده عليه «فضلهم أنهم فريق عملك»، يكفينى أنه يسبق القول بفعل، فى حين أن غيره لا قول له ولا فعل، وما يصدر عنهم لا يتعدى الـ«هجص»، يكفينى أنه بيننا أطال الله فى عمره، ننهل منه تعاليم لم يقُلها، نراه عليها فنتعلمها، هو من قال إن صحة القلب فى العمل، فى المقاومة، فى الحب، وفعل ما قاله، عمل ما أحب، وقاوم ما أحبطه، وأحب الحياة.. جراحاته لا تطيل العمر، لكنها تحسن من نوع الحياة، لذا يحق فيه وعنه أنه «من أتى الله بقلب سليم».