رحَّالة أم جواسيس؟ (1)

انجذبت إلى أدب الرحلات منذ زمن، وكنت أعده دوما لونا من الإبداع يستحق الالتفات إليه أكثر. وكنت أقرأ بين حين وآخر كتابا في هذا، لا سيما قبل ثورة الاتصالات، فكانت القراءة تعوضنا عن الأسفار، إذ إنّ المرء ومهما استعرت في نفسه رغبة الترحال في بلاد الله، فإنّ قدرته على تحقيق ذلك تظل محدودة، فلا المال يسير في اليد، ولا الوقت بوسعه أن يكفي التجول على سطح البسيطة، ناهيك عن تعقد إجراءات السفر وشروطه، ودواعيه الأمنية أحيانا.

وجاء عام 2022 لأكلف بشيء لم يخطر لي على بال، إذ إنّ جهة ثقافية عربية طلبت مني تقديم ملخصات مكثفة جدا لكتب في أدب الرحلة سترفق بالكتب قبيل تقديمها لمن يقرأها، أو الانخراط في نقاش حولها. وكانت مهمة غاية في المتعة والإفادة، أجد نفسي راغبا في أن أضعها أمام قارئ هذا الكتاب، لعلها تدله على بعض عيون كتب أدب الرحلات، التي كتبها رحالة عرب، أو رحالة أجانب جاءوا إلى بلاد العرب.

وحين اطلعت على كتب الرحالة الأجانب، ثار في ذهني سؤال: هل كانت رحلات بريئة تروم المعرفة أم كانت مهمات للتجسس على بلاد العرب؟

وأقدم هنا عرضا ملخصا جدا لبعض هذه الرحلات، لعل القارئ يعرف، حين يطلع عليها، الإجابة عن السؤال السابق، وأولها «موسوعة يوميات المقيمية في الخليج والوكالة السياسية في مسقط»، حيث تتبع هذه الموسوعة يوميات الوجود البريطاني في منطقة الخليج العربي في المدة المتراوحة بين 1958 و1973، وهي الفترة التي كانت فيها بريطانيا تنسحب من المنطقة، ويتراجع نفوذها، بينما يتصاعد نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا تبدو هذه اليوميات مهمة للمؤرخين والساسة وعلماء السياسة، فهي تساعد على تذكر التاريخ المنسي، واستحضار المهمل والمسكوت عنه في الحياة السياسية للخليج.

في المجلد الأول منها نجد نبذة عن المذكرات السياسية لمنطقة الخليج، ونعرف أشياء عن الإدارة اليومية للأمور، وطبيعة العلاقة بين «المقيمية» والقبائل وشيوخها، والمراتب الإدارية لعناصر «المقيمية» وطبيعة أنشطتهم، والجهود التي بذلوها في سبيل تحقيق مصالح التاج البريطاني.

ويعطى المجلد الثاني صورة حية عبر الوثائق، عن دور البريطانيين في صناعة الأحداث السياسية والأمنية بالمنطقة، ودورهم كذلك في مد جسور التعاون مع قادة المنطقة، وسعيهم الدؤوب من أجل الاستقرار.

ونطالع في المجلد الثالث مختصرات للتقارير الاستخباراتية المتعلقة بالخليج، والتي لم تقف عند مسقط فحسب، بل امتدت إلى كل المناطق المحيطة بعمان، ورسمت صورة دقيقة لارتباط هذه المناطق إداريا وسياسيا بالحكومة البريطانية المتمركزة في الهند.

ويشمل المحتوى أخبارا سياسية وأمنية واقتصادية متتابعة، وتقارير استخباراتية مطولة، ومعلومات مهمة، مستخلصة من مذكرات المقيمية ومراسلات الوكالات السياسية في الكويت والبحرين ومسقط، التي كانت تُبعث إلى مكاتب الإنجليز في الهند. وهناك أيضا أوراق تم جمعها من السفارة البريطانية في طهران، إلى جانب العثور على مذكرات مفقودة من أرشيف «المكتب الاستعماري».

ورغم التباين في تاريخ هذه المذكرات، لم يشأ المؤلف ولا المترجم أن يقوما بترتيبها، وفضلا أن ترد هكذا متسلسلة وفق ما جاءت في مصادرها الأصلية، بما يساعد على ربط كل واقعة بسياقها الزمني، وما فيه من حمولات اجتماعية وأمنية وسياسية وعسكرية.. إلخ، ومع هذا فهي لا تخلو من بعض التسلسل الزمني والتصنيف الجغرافي الواضح.

(نكمل غدا إن شاء الله تعالى)