لأجلهم خُلقت العودة

صلاح البلك

صلاح البلك

كاتب صحفي

عقب حرب السادس من أكتوبر بعامين كاملين كان والدي قد أتم بناء منزلنا الجديد في الجزء الغربي من قلب مدينة العريش، وكان انتقالنا إليه مليئا بالأحداث، بداية من دموع الجيران فيما حول المنزل القديم ومحاولة الأطفال رفاق اللعب وعددهم كبير، وكنا خمسة من الأولاد وبنتا، صرف السيارات التي جاءت لتنقل متاعنا.. مشهد لا ينمحي من الذاكرة أبدا بما له من دلالات على مجتمع مختلف تماما عن ما نعيشه اليوم.. ولم يكن هناك بد من وعد بتبادل الزيارات لكي تنطلق السيارات إلى وجهتها حيث المنزل الجديد والحي المختلف تماما في تكوينه وتركيبته السكانية.

الجيران الجدد أحسنوا استقبالنا مرحبين.. مد الجميع يد المساعدة في نقل ما حملته السيارات إلى داخل المنزل، وكان لافتا ذلك التغير في لهجة الغالبية العظمى منهم وغرابة أزياء البعض منهم.. غالبيتهم كانت من الفلسطينيين الذين هجّرتهم الحروب المتعاقبة من القرى والبلدات بل والمخيمات.. كل بيت من إحدى مناطق فلسطين حتى مثلوا الأغلبية في الحي الصغير وبينهم أسرتان من مهجري مدينة «القنطرة» من الأقباط، حتى إنك تستطيع أن تطلق عليه «حي المهجرين» وهو عبارة عن مساكن أنشأتها الحكومة المصرية لمنكوبي السيول التي كانت قد اجتاحت محيط وادي العريش، إلا أن الأقدار جعلتها مقرا لمنكوبي الحرب والمهجرين من فلسطين.

زيارات المهنئين بالبيت الجديد كشفت أننا في محيط يقطنه عشر أسر مثلنا من المصريين بينما يعيش حولنا ويجاورنا ضعفهم من أهل فلسطين.. حين تقول دار العم سعيد فهو مصري بينما يحمل الفلسطينيون ألقاب الأبناء الكبار.. أبوجلال من المجدل وأبوموسى من سلوان وأم فؤاد «زوجها متوفى» من غزة وأبوناهض وأبوحسام نسمان صاحب المكتبة الشهيرة وأبوأحمد المنقذ البحري والصياد وغيرهم من جباليا وعمورية.. انفرد العم أبوموسى بالزي الفلسطينى القديم، وعلى ما أذكر أنّه كان في عقده السابع يرتدي سروالا ذا حجر كبير وحزاما مزركشا ويعتمر غطاء الرأس الفلسطيني المميز ولهجته الفلسطينية التي لم تتغير فيها كلمة واحدة طوال حياته.. جلسات ما بعد العصر وفي المساء حين يتحلق حوله من يحب سماع القصص والحكايات التي حملت بعض المبالغات أحيانا ولكنها وصفت ما فعله المستوطنون بمنتهى الدقة وهو ما تحقق لي التأكد منه فيما قرأت فى وقت لاحق.. زوجته هي الأخرى حرصت على ارتداء الثوب الفلسطيني المطرز بألوانه الزاهية وأظنها كانت من أريحا أو ما حولها.

سنوات طويلة تشاركنا اللعب مع أطفالهم والذهاب إلى المدارس التي كان غالبية المعلمين فيها من مختلف أنحاء القطاع.. يركبون باصات إيجد كل صباح ويعودون عقب نهاية اليوم الدراسي إلى بيوتهم وقليل منهم من اختار الإقامة في العريش.. كانوا النموذج المثالي للمعلم إلى جانب أبناء العريش من المعلمين الذين ساهموا في خلق أجيال كاملة من أبناء سيناء المتعلمين.. أذكر من بينهم العم والأستاذ أحمد مختار «أبومحمد» الذي ما زلنا على علاقة أسرية به إلى يومنا هذا، والأساتذة نبيل الصرفندي وعدنان ومعلم العبرية عامر وأبولحية ويوسف الوحيدي وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم جميعا.. لم نشغل بالنا يوما بجنسية من يجلس إلى جوارنا على مقعد الدراسة أو من يلقي الدرس.. مصري وفلسطيني الكل تحت الاحتلال وينتظر الخلاص.

في الشارع لم تكن الأمور جيدة طوال الوقت.. تشتعل الخناقات بين الكبار في بعض الأحيان بسبب لعب الصغار، والغريب أنّ التلاسن والاشتباكات الكلامية كانت تدور حول من ترك قريته قبل الآخر خلال المواجهات مع الإسرائيليين، لتنتهي في جلسات صلح سريعة يتباكى فيها الجميع على الأرض التي ضاعت.

في العشر الأواخر من مايو عام 1979 اكتظت الشوارع من حولنا بالسيارات التي جاءت لتنقل ما في البيوت من أثاث وسكانها عائدين إلى أرض فلسطين وإن لم تكن عودتهم إلى نفس قراهم وبيوتهم التي احتفظت النساء بمفاتيحها معلقة في صدورهن طوال عقود.. وسط مشاعر اختلطت فيها فرحة المصريين بتحرير مدينتهم بالحزن على فراق الجيران.. «مبروك عليكم وعقبالنا» كانت آخر كلماتهم لنا.

في كل الحروب التالية والتي شنتها إسرائيل على غزة شاهدت عودة أهل غزة عبر ميناء رفح دون خوف من الموت الذي يلاحقهم هناك.. المهم أن يكونوا فوق الأرض حتى لا يفوتهم الخيار الأبدي بالبقاء عليها.. لأجلهم خُلقت العودة.