أنشودة الصبر

لا يوجد خُلق في الحياة أعظم من خلق «الصبر».. ولا يوجد أَمرّ في هذه الحياة من الصبر.

فالصبر يعني كتم أو كبت النفس أو حبسها أو منعها عن التعبير عما يعتمل بداخلها. فالصبر في أبسط معانيه يعنى تحمل الألم وتجرعه وامتصاصه، الصبر يعني غلق القلب على ما يتفاعل بداخله من أحزان، الصبر يعني حبس اللسان عن البوح بما يعانيه الإنسان من أوجاع نفسية أو جسدية، الصبر يعني منع النفس المتعبة والموجوعة من الصراخ بمتاعبها وأوجاعها، الصبر يعني صمت الإنسان عما يعانيه من حرمان على مستوى معطيات الحياة.

في الحياة الدنيا تجد كلمة الصبر هي الأكثر تردداً على ألسنة مبدعي المواويل الشعبية والأغاني الدينية والوطنية والعاطفية. على سبيل المثال موال الصبر هو الأشهر بين المواويل التى عرفها المصريون، وقد تغنى به أشهر مطربينا، مثل محمد الكحلاوي وشفيق جلال، رحمهما الله، ويقول مطلعه: (أنا بعلّم الصبر يصبر على صبر حبيب جارنا.. إن كان غيرنا حلى واحنا اللي مررنا.. الله يهون عليهم واحنا يصبرنا). وأغنية (يا عيني ع الصبر) هي الأشهر بين أغاني وديع الصافي، وحينما غنت فايزة أحمد «خاف الله» قالت: (الصبر حلو وجميل لكن التمن غالى)، في إشارة واضحة إلى أوجاع الصابرين والمعاناة العميقة التى يكابدونها، وأنه مهما كانت حلاوة الصبر وجماله فإن مرارته توجع القلب، ونبهت سيدة الغناء العربي أم كلثوم إلى حدود الصبر حين غنت: (إنما للصبر حدود).

ولعلك تتفق معي أن نبي الله أيوب يتمتع بقيمة خاصة لدى كل شعوب العالم، وخصوصاً المصريين، مصدرها النظر إليه كأيقونة على الصبر. فهو في نظر غالبيتهم النبي الذي ابتلاه الله تعالى بصنوف شتى من الأمراض، إلى حد أن قرر أهله وعشيرته حمله إلى خارج البلدة التى يعيش فيها، وتركه مع زوجته في العراء، خوفاً من أن تنتقل إليهم عدوى منه، ومكث الرجل يمضغ آلامه وأحزانه وهو صابر محتسب، ومن خلفه تألقت صورة زوجته السيدة الوفية المخلصة التى حملت زوجها فوق رأسها وأخذت تتنقل به من مكان إلى مكان، كما يحكي الموال أو الأسطورة الشعبية، وباعت شعرها حتى تطعمه وتسقيه، أما «أيوب» نفسه فقد ظل صابراً ينظر إلى ربه فتطفر دمعات من عينيه، لكنه ظل صامتاً رافضاً أن يدعو ربه، فالله تعالى عليم بحاله، وفي الختام نظر إلى السماء وردد دعاء واحداً قال فيه، كما يحكي القرآن الكريم: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».

سيرة نبي الله أيوب تحولت إلى أنشودة على لسان المصريين، تمثلت في أغنية على لسان مطرب كبير مثل «محرم فؤاد» الذي غنّى «يا صبر أيوب»، وموال على لسان «خضرة محمد خضر»، وتقول كلماته: «الصبر طيب للأمارة يصبروا.. ياما اللي كان صابر ينول المغفرة.. اللي صبر نال الهنا بلغ المنى.. واللي معاه صبره يلاقيه في الآخرة.. ياما جرى لأيوب على حكم الزمن.. وبنت عمه على البلاوي صابرة»، وتمثل «صبر أيوب» في شعر يحمل الفلسفة على لسان الراحل «صلاح جاهين» حين قال: «أيوب رماه البين بكل العلل.. 7 سنين مرضان وعنده شلل.. الصبر طيب.. صبر أيوب شفاه.. بس الأكادة مات بفعل الملل».

صبرنا بات أنشودة.