رغبة ترامب وقدرته
ما صرَّح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تحويل غزة إلى «ريفيرا» لأمريكا، بعد أن يكون للأخيرة «ملكية» هناك حسب لفظه، هو مجرد رغبات، بل تخرّصات وأوهام، لن يكون قادرا على تحقيقها بالضرورة إن اعتمد فقط على قوة بلاده ومعها إسرائيل، حتى وإن سعى إلى ذلك بكل طاقته، لا سيما أن العالم ينظر إلى هذا المسار باستهجان بعد أن فوجئ به، واعتبره بعض المسئولين في الشرق والغرب واحدة من مقامرات ترامب ومغامراته غير المحسوبة.
فما قاله ترامب فاجأ المؤسسات الأمريكية، بل فاجأ إسرائيل أيضاً، حتى إن صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية قالت: «ترامب مقتنع بواقعية خطته لتهجير سكان غزة، لكن في إسرائيل لا أحد يعلم من أين جاء بهذه الثقة، وكيف يبنى تقديراته».
والصحيفة هنا لا تعبر عن نفسها فقط، بل عن موقف كثير من الساسة والكُتاب والمحللين في إسرائيل، ممن يدركون أن تصور ترامب قد لا يكون سوى فرقعة في الهواء، لأن تحقيقه على الأرض ليس بهذه السهولة التي يتحدث بها.
على المنوال نفسه انهال الرفض في الغرب نفسه لتصريحات ترامب على ألسنة ثلاثة من وزراء خارجية دوله، فالألمانية قالت: «غزة ملك للفلسطينيين، وتهجيرهم يتعارض مع القانون الدولي»، والفرنسي قال: «مستقبل غزة يجب ألا يكون في إطار سيطرة دولة ثالثة، بل في إطار دولة مستقبلية تحت رعاية السلطة الفلسطينية»، والبريطاني قال: «علينا ضمان مستقبل للفلسطينيين في وطنهم».
في الوقت نفسه عارضت الصين أي تهجير قسري لسكان غزة خارج أرضهم، كما عارضت أستراليا على لسان رئيس وزرائها فقال: «نرفض التهجير وندعم حل الدولتين»، فيما قال وزير خارجية تركيا: «تهجير الفلسطينيين من أرضهم فكرة غير مقبولة».
وأصدرت مصر والأردن والسعودية والإمارات بيانات ترفض فيها تهجير أهل غزة رفضاً قاطعاً، وهو موقف يتبناه العالم العربي برمته، وتؤيده الشعوب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، لا سيما أن ترامب تمادى وتحدث عن سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وإنهاء وجود السلطة الفلسطينية التي قامت على اتفاق أوسلو 1993.
يطالب بعض الساسة والمفكرين والكُتاب، بل كثير من عموم الناس، في العالم العربي بأن تظهر النخوة العربية الآن، وليس غداً، في وجه تصورات ترامب وأمامه نتنياهو، التي ترمى إلى تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة احتلال أرض عربية أخرى، في سوريا أو لبنان أو غيرهما، وأنه يجب أن يقال لهما «لا» بملء الفم، وبصوت جهوري، لا لبس فيه ولا تردد ولا خوف.
في الحقيقة، ليس التصدي لمخطط ترامب حيال أهل غزة مسألة نخوة عربية فقط، أو واجباً تقتضيه قضية العرب المركزية، كما يقال دوماً، إنما لأن أي تنازل تقدمه مصر والأردن أو غيرهما اليوم لتجنب أذى صغير، سيفتح على هذه البلاد باب أذى كبيراً جداً في المستقبل القريب.
هذا الموضوع برمته يحتاج قدراً من الخيال السياسي قبل النخوة أو الواجب.
والخيال يجب أن يُبنى أولاً على أن 90% مما جعجع به ترامب في دورته الأولى لم يحققه، ثم ثانياً على أن التاريخ يؤكد أن لـ«القوة حدوداً» وأمريكا نفسها تدرك ذلك، وهناك مئات الأبحاث والكتب تبرهن عليه، وثالثاً على أن الولايات المتحدة هي التي كانت تحارب المقاومة في غزة، بالأصالة عن نفسها بالسلاح والاستخبارات، وبالوكالة بيد الجيش الإسرائيلي، ولم تستطع أن تحقق ما تريد بالقوة، ولا يجب أن تعطي ما لا تستحق بالسياسة أو بالاقتصاد أو بغيرهما، ورابعاً سينتهي هذا المشروع الموهوم إن لم يجد له ترامب أي تمويل عربي أو غير عربي، لا سيما أنّه كتاجر بخيل لا يتحمس لإنفاق أمريكي عليه.
أقول في خاتمة المطاف، ما يميز ترامب عن سابقيه أنه لا يطلى الوجه الاستعماري القبيح لأمريكا بأي رتوش من اتفاقات موقعة إجباراً، لكن تغلفها ابتسامات ومصافحات، أو الحرص على تمرير الرغبات المتوحشة من خلال المنظمات الدولية، أو حتى التوظيف المزدوج للقانون الدولي.
لكن ما ينساه ترامب أن أمريكا لم تستطع العودة إلى الاستعمار المباشر في أفغانستان والعراق، وإن جاءت إلى غزة لن تتمكن من إبقاء احتلالها، فهي بالفعل حاربت بيد إسرائيل، ولم تتمكن من استعادة أسرى يحملون جنسيتها أو استئصال المقاومة، ولن تجبر كل الفلسطينيين على ترك أرضهم، بعد كل ما دفعوه من ثمن.