نزار قباني في مصر (1)
لا أنسى هذا الضحى الذي سمعت فيه، للمرة الأولى، اسم «نزار قباني».. كنت طفلاً صغيراً، لم تقم له صلة وطيدة بعد بعوالم الشعر والغناء، حين سمعت أحد شباب قريتي، واسمه «ماهر ونيس» يغني قارئة الفنجان بصحبة بعض مجايليه، لكنه كان أكثرهم حفظاً لها.
وصلت إليهم وهم جالسون على مصطبة تتوسط قريتنا، حين كان يصدح: «مقدورك أن تمضي أبداً في بحر الحب بغير قلوع.. وتكون حياتك طول العمر كتاب دموع.. مقدورك أن تبقى مسجونا بين الماء وبين النار.. فبرغم جميع حرائقه، وبرغم جميع سوابقه.. وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار.. وبرغم الريح، وبرغم الجو الماطر والإعصار.. الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار».
أنصت حتى اكتملت الأغنية، محاولاً أن أدرك معانيها، وسمعت «ماهر» يقول:
- جميل صوت عبدالحليم حافظ بشعر نزار قباني.
ورد شاب أتذكر أنه كان من قرية أخرى يحل ضيفاً على أخته المتزوجة برجل طيب من أهل قريتنا:
- أنا أحب أكثر «رسالة من تحت الماء».
هكذا كان نزار معروفاً في أصقاع الصعيد، في نجوعه وقراه العزلاء المنسية، وهو ما لم يكن وقتها متاحا، بالقدر نفسه، لشاعر عربي من مجايليه، وكان هذا كله جديرا به شاعر مشغول بجريان قصائده على ألسنة العموم، سواء من خلال حناجر الطرب، أو صفحات الدواوين التي تطبع غزيرا، وتنسخ منها طبعات غير شرعية، تتخطفها الأيدي، وتطالعها الأعين فى سلاسة، وتستقر شطورها وأبياتها سريعا في الأذهان.
تحققت إذن أمنية نزار الذي قال: «مكافأتي الوحيدة، ولا أريد أي مكافآت من نوع آخر، هي أن أرى صورتي محفورة في أحداق الشعب العربي، وصوتي معرشاً على جدران القاعات».
ثم يقول حين يرى إقبال الناس عليه في إحدى أمسياته بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في شهر فبراير من عام 1988: «إقبال الناس على أمسية شعرية هو مؤشر نفسي واجتماعي وثقافي خطير، والذين يستهينون بهذا المؤشر أو يسخرون منه، لا يعرفون شيئاً عن وظيفة الشعر، ولا عن وظيفة الثقافة.. أنا ضد أطفال الأنابيب، وقصائد الأنابيب، وشعراء الأنابيب، وأفضل أن أولد ولادة طبيعية من رحم الشوارع العربية المكتظة بالخوف والقمع والاستبداد والجوع والعطش والسعال، على أن أولد في قاعات المجامع اللغوية والأكاديميات، وسرير ماري أنطوانيت».
رأيت نزار مرة وحيدة في تلك الأمسية، قرأت عنها في إحدى الصحف ضمن برنامج معرض القاهرة الدولي للكتاب، فخرجت إليها، وصلت مبكراً، فكان لي نصيب أن أجلس وسط القاعة، وأراه، بينما كان الناس يتزاحمون خارجها بعد أن اكتظت بمحبي شعر الرجل، والعارفين بتجربته العريضة مع جنون الشعر، وكسره المألوف في اللغة وعوالم الجسد ومشاغبات السياسة، وليس المهتمين بتجربته كدبلوماسي، فهو نفسه لم يكن معنيا كثيرا بها.
جاء نزار ليلتها متطاوسا ومتواضعا في آن، يتيه بشعره، ويخفض جبينه للناس الذين زحفوا إليه راضين، وشنفوا الآذان في اتجاه فمه وقلبه، وهو يشدو بقصائده: «تزوجتك أيتها الحرية»، و«كتابات على جدران المنفى»، و«هجم النفط مثل ذئب علينا»، و«كل الدراسات عن شعري مزورة».
أنصت الناس إليه في شغف، وقاطعوه في بعض المقاطع مصفقين، فراح ينظر إليهم في امتنان ومودة.
أنعش ذاكرتي بكل هذا كتاب علي النويشي وهو المحرر الثقافي البارز بصحيفة الأهرام، «نزار قباني في مصر» الصادر عن «مؤسسة بيت الحكمة»، الذي تناول فيه مسيرة هذا الشاعر الاستثنائي في القاهرة، منذ أن جاء إليها عام 1945، وعمره وقتها 22 عاما، وحتى رحيله عن الدنيا عام 1998، ملخصا أثر مصر في نفس نزار وذائقته وتجربته قائلا: «على أرضها دشن شاعريته ورحلته كمثقف، وبجوار نيلها دارت معاركه الفكرية والشعرية، وفي مصر، وبعد رحيله، صار شعر نزار يغنى على كل لسان، وعندما غادر لم تتركه مصر، ولم يتركها هو أيضاً، فقد بقيت القاهرة معه، يحملها فى حقائبه أينما رحل وأينما حلَّ، ولا ينقطع عن زيارتها، ففيها عاش وعشق واقترن، وإليها يعود كما يعود الطائر المسافر».
(نكمل غداً)