الساكتون على مهزلة العلاج الروحانى

لعلك تعرضت بقصد أو بدون قصد لواحد من إعلانات «العلاج الروحانى» على واحدة أو أكثر من تلك القنوات التليفزيونية المريبة التى هبطت على مصر فجأة وبدون سابق إنذار، ولكى تعرف فحوى هذه الإعلانات، إن لم يسبق لك التعرض لها، فدعنى أسرد لك أهم الأفكار التى تظهر فى واحد منها: «المعالج الروحانى الشيخ..: جلب الحبيب، الطاعة العمياء، المحبة والقبول، زواج المعطلة والبائر أو العانس، رد المطلقة، التأثير فى مجال العمل والتجارة، خواتم روحانية وتحصينات». الإعلان يقول لك ببساطة إنك أمام شخص قادر على حل كل العقد، وإن فئات عديدة يمكن أن تستفيد من خدماته، فالمواطن العادى يمكنه الاستفادة منه فى جلب الحبيب، وزواج المعطلة أو البائر والعانس، ورد المطلقة. ورجال السياسة والأحزاب يمكنهم الاستفادة منه فى جلب المحبة والقبول (وهى خدمة خطيرة بالنسبة للمتنافسين فى الانتخابات البرلمانية المقبلة)، ورجال الأعمال يمكنهم الاستفادة من خدماته فى التأثير فى مجال العمل والتجارة. ويبدو أن المعالج الروحانى يضع عينيه أيضاً على زبائن من الإخوان من خلال خدمة: «الطاعة العمياء»!.

هناك من يريد أن يدعم لدى هذا الشعب محبة الخرافة، والتوجه إلى الحلول الفوقية للمشكلات، وصرفه عن الاجتهاد فى حلها طبقاً لقوانين واشتراطات الأرض حتى لا يجهد نفسه. وثمة كثيرون يتلقفون هذا الكلام ويظنون ظناً آثماً أن بإمكان هؤلاء «الروحانيين» حل مشكلاتهم، دون أن يدركوا أنهم وقعوا فى عملية نصب ممنهج، يقودها شخص محدود الذكاء، يعتمد على كثرة المغفلين!. وحقيقة الأمر فإن هذه الإعلانات تروج على «القنوات الشمال» -إذا صح التعبير- فى غيبة وزارة الاستثمار والهيئة العامة للاستثمار المسئولة عن وضع هذه القنوات عند حدها، إلا أن يكون لدى المسئولين عنها توجه لنشر الفكر التغفيلى والترويج للخرافات!.. تلك الجهة هى الساكت الأول عن هذا الهزل. الجهة الثانية تتحدد فى وزارة الثقافة التى لا يوجد لها أى دور فى التعامل مع هذا الدجل ومحاربته ونشر الفكر العقلانى، تلك الوزارة التى لم يستطع الكثيرون حفظ اسم الوزير الحالى المسئول عنها، لأنها ببساطة وزارة بلا دور. ويبدو أن البعض يجد أن القيمة الحقيقية التى يجب أن تسود فى هذا المجتمع هى الجهل وليس الثقافة!.

أما الساكت الثالث، فيتمثل فى المسئولين عن تشكيل الفكر الدينى لدى المصريين، فى هذا السياق يظهر الدور الغائب للأزهر، تلك المؤسسة التى لم يعد لها دور سوى إصدار البيانات الملونة بلون السياسة، والكثير من الطنطنة فى المناسبات العامة.. ودمتم!. أما من يطلقون على أنفسهم الدعاة الدينيين، فقد غدوا غارقين فى الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، أو منشغلين فى بث رؤية للدين تحفز على تنشيط مثل هذه الأوهام التى تنشرها إعلانات العلاج الروحانى، رغم أن جانباً مهماً من جوانب تجديد الخطاب الدينى، ترتبط بعقلنته والتعفف به عن مزالق الخرافة والدجل. وبمناسبة الحديث عن تجديد الخطاب الدينى أسألك: هل تذكر أصلاً هذا الموضوع.. وهل ما زلت تتذكر الصخب الذى دار حوله منذ بضعة شهور؟!. يبدو أن هذا الموضوع مصيره الوقوع فى أيدى حلالى العقد، ليتم مراجعته وتجديده فى أقرب عيادة لـ«العلاج الروحانى»!.