الأردن لن يكون وحده

تسيطر الدهشة على العالم العربي أولاً، ولا أبالغ إذا قلت كذلك على العالم أجمع، بعد اقتراحات الإدارة الأمريكية بترحيل فلسطينيي قطاع غزة إلى مصر والأردن.. فهذه أول مرة يتم فيها الإعلان عن تهجير وطن بكامله إلى خارج أرضه، وتحديد دول بالاسم لتنفيذ المخطط الذي تم بدء تنفيذه منذ أربعينات القرن الماضي، على أساس تعويض اليهود عن مذابح الزعيم النازي أدولف هتلر، أي إننا لم يكن لنا ذنب فيها.

كما لم يكن للفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم أدنى ذنب فيها، ولا ينسى هؤلاء الخديعة التي صاحبت تهجيرهم بالقوة والعدوان الوحشي، بالاحتفاظ بمفاتيح مساكنهم، لأن التهجير مؤقت!

وذلك عام 48، ومن يومها وهم خارج الوطن يتجرّعون مرارة وضع من لا وطن له، في الوقت الذى كان يتدفّق فيه اليهود على فلسطين تحت دعاوى خبيثة ولا أساس لها، كما أعلنوا مؤخراً في الكونجرس الأمريكي، أن فلسطين «هي وطنهم، حيث صلى فيها عدد من الأنبياء»!

وسط تصفيق حاد من الأعضاء الذين لم يسألوا عن احتمال تحول يهود فلسطين، على مر الزمان من اليهودية إلى المسيحية، وبعدها إلى الإسلام، وكأن حتى أعضاء الكونجرس لم يتدرّج أجدادهم وآباؤهم من اليهودية إلى المسيحية ثم إلى الإسلام، ومن ثم يطلب اليهود الوافدون عقاب كل من لم يحتفظ أجداده بالديانة اليهودية. وقد ردت مصر على طلب أمريكا بأنها يستحيل أن تشارك في جريمة ظلم شعب يتعرّض لأبشع جريمة في التاريخ، نفّذتها دولة الاحتلال وبمساعدة كاملة من الإدارة الأمريكية.

وحاولت هذه الإدارة محاصرة العاهل الأردني الملك عبدالله لدى زيارته إلى واشنطن بالتحدّث عن «مشروعات» الرئيس الأمريكي التي لا تتّسق مع أي قيمة إنسانية تخصّ الوطن، وحاولوا إحراج الملك عبدالله بإشهار سلاح الحصار والعقوبات إذا لم ترضخ الأردن ومصر لرغبات الإدارة الأمريكية باستقبال أبناء غزة، وبعدها الضفة، حتى تتمطع إسرائيل وأمريكا بكامل حريتهما في المنطقة، ونهب ثرواتها بلا حسيب أو رقيب، وهو ما رفضته مصر بكل وضوح وكذلك الأردن.

الملك عبدالله فوجئ بأنه ذهب، ليس إلى لقاء الرئيس الأمريكي والتباحث معه بجدية حول سُبل السلام في المنطقة، بل فوجئ بأنه يشارك في مؤتمر صحفي، تعرّض خلاله إلى أسئلة لا تُناسب اللحظة التي يشعر فيها العالم العربي كله بتهديد له جراء ما عرضته الإدارة الأمريكية، حتى إن الرئيس الأمريكي هدّد بحرق القطاع إذا لم تفرج حماس عن الأسرى المحتجزين لديها، ولم ينبس ببنت شفة عن عشرات آلاف القتلى والمصابين بأيدي الصهاينة ولا عن تدمير آلاف المنازل التي شُرد أبناؤها أو البنى التحتية والمستشفيات والمدارس.

إن المرحلة التي نعيشها الآن تكتب بأوضح العبارات، أننا سنقف جميعاً مع الفلسطينيين والأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية التي تقيأ نتنياهو تهجير أبناء غزة إليها، وكأنه يستقوي علناً براعيته التي تمده بكل ما يتطلبه قتل أكبر عدد من العرب وهم يتشدّقون بالقيم الوطنية والأخلاقية، لكن العرب سيتوحّدون للدفاع عن أوطانهم، ولا بديل أمامهم سوى الوحدة، لأنه كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي: قوتنا في وحدتنا.