الحب ليس كذلك يا أمى

أشرف توفيق

أشرف توفيق

كاتب صحفي

تمتد يدى إلى إصبع من الموز أمام صاحب محل الفاكهة، تلمحنى أمى، تضربنى على يدى، وتشترى لى كيلو من الموز، تعلمنى وأنا ما زلت طفلاً لا يتجاوز السادسة أنه مهما كانت الظروف، ومهما كانت المغريات، ومهما تعاظمت الرغبة، فإننى لا بد أن أترفع عنها، وأن أحققها بالحلال.علمتنى مبكراً أن الأمية شىء، والجهل شىء آخر، فكثيراً ما جلست بجانبها وهى تخبرنى من خلال متابعتها للنشرات الإخبارية عن الصراع فى البوسنة، واقتراب الانتخابات الأمريكية، وعلاج مشاكل الظهر، وأنصتت إلىّ عندما ألقيت عليها أولى قصائدى الشعرية وظلت تهز رأسها فى تشجيع وفرحة، رغم يقينى أنها لا تفهم معظم ما كتبت.علمتنى حقيقة غابت عن كل حكوماتنا الموقرة، وهى أن التعليم الصحيح هو حجر الأساس لنهضة أى أمة، وأن التعليم هو القشة التى ربما تنجد فلذات أكبادها إذا تعاظمت عليهم خطوب الحياة، فأصرت -رغم حرصها على كل مليم لسفر أبى المتواصل- على أن يتعلم كل أبنائها مهما تكلفت، ومهما عانت، فخرج من بين يديها أبناء أقلهم هو كاتب هذه السطور.عندما يغيب الأب فى السفر لتوفير نفقات الحياة، يصبح التوفير عادة، والحرص طبيعة، والتفكير فى الغد سمة الأم التى تحولت فى غفلة من الزمن إلى أب وأم معاً، تقسو وتحنو، تضرب وتحتضن، ترفض بحسم وتقبل بعطف، تضرب ابنها إذا أهمل فى دراسته، وتأكل أحشاء المدرس الذى يضرب ابنها إذا أهمل فى دراسته.علمتنى أمى مبكراً أن الكرم لا يستلزم ثراء فاحشاً، بل إن الكرم لا تظهر قيمته إلا وسط ظروف بسيطة، فالعفو لا قيمة له إلا عند المقدرة، والحلم لا قيمة له إلا عند الغضب، والتواضع لا قيمة له إلا عند استحقاق الثناء، ولذلك كان فى بيتنا دائماً وجبة جاهزة تسميها أمى «كوم الحلة»، وعندما أسألها بطفولية متعجباً من هذه الفشخرة بينما لا نرى منها إلا ما يكفينا بالكاد، ترد بحسم: «ده أكل الضيف، عشان لو حد جالنا فى أى وقت ياكل براحته.. الضيف الأول وبعدين نبقى نشوف».من قال إن الحب هو الطبطبة والضحكة المرسومة والرضا الدائم فقط؟ الحب هو هذا التعب الذى تحملته أمى وهى تحملنى على رأسها وأنا شاب فى الإعدادية لأقرب طبيب رغم بُعد المسافة وبُعد بيتنا عن وسائل المواصلات، الحب هو هذا الجهد الشديد الذى تتحمله عندما تزورنى فى القاهرة قادمة من بلدنا فى المنصورة، وهى تحمل لى على حد قولنا فى الأرياف «من الإبرة للصاروخ»، الحب عندما تنظر إلى ابنى الصغير النحيف بحب وتنظر لى بغضب قائلة: «لو مش قادرين تأكلوه، هاتوهولى وأنا أأكله عندى»، الحب هو هذه النرفزة التى تصل أحياناً إلى حد شد الشعر، ثم الهدوء فى لحظة والطبطبة على الروح من جديد، الحب هو هذه الغصة التى تصيبنى عندما تفعل أمى ما يستوجب غضبى الشديد، وعندما ألومها، ويظهر فى عينيها الاعتراف بخطأ ما فعلت، تشيح بيدها قائلة: «أنا عملت وخلاص». تضحك فأضحك، وتعدنى بعدم تكرار ما فعلت، وتفعله بعدها عشرات المرات، فأغضب فتضحك فأضحك.الحب أن أشترى لها -من بقايا فضلها- بعض الملابس الجديدة، فتحرمها على جسدها وتحتفظ بها فى دولاب ملابسها حتى لا تهترئ فرحة بالهدية، أن تهمس لى: «محتاج فلوس؟»، كأننى ما زلت ذلك الطفل الممصوص الذاهب إلى مدرسته، متجاهلة هذه الشعيرات البيضاء التى ملأت رأس ابنها الصغير.الحب هو أن تجلس فى بيتك مطمئناً بين زوجتك وابنك، متحققاً فى عملك، سعيداً بين أصدقائك، غارقاً فى شوارع القاهرة التى شددت الرحال إليها منذ سنوات، وعلى بعد عشرات الكيلومترات تجلس سيدة بسيطة تفكر فيك، وفى أحوالك وفى عائلتك الصغيرة، تحسب متى زرتها ومتى ستكرر الزيارة، وتدافع عن نصيبك المادى المستحق فى شجرة زرعها قدماء المصريين وألقت بظلها على شباك شقتك.أمى.. عليكِ السلام.