السلفيون والبراجماتية السياسية

أحمد عمر

أحمد عمر

كاتب صحفي

 آن لنا أن نعترف أن مشكلتنا مع التيار السلفي الوهابي الوافد، وتجلياته المتنوعة في الساحة المصرية، من مدارس وحركات سلفية اخترقت المجتمع المصري في العقود الماضية، وتستعد الآن للنزول بثقلها في الساحة السياسية المصرية عبر الانتخابات البرلمانية القادمة، ووراثة الدور والمكانة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ليست مشكلة سياسيه فقط، يمكن التغاضي عنها، لأسباب برجماتية سياسية، بل هي مشكلة دينية وحضارية بالأساس؛ لأن هذه التيار السلفي، الذي ابتعد عن الفكر والمنهج الاسلامي المعتدل، قد جاء وليد التعصب والجمود والانغلاق، الذي رافق سياق نشأته وظهوره في بيئته الخاصة، وهو يُجسد عرضًا لمرض حضاري، يصيب الدين في مسيرته التاريخية، ويقف عقبة في طريق تطوره وتجدده الروحي والفقهي، بما يجعله يواكب التطور الحضاري، وصالحًا لكل زمان ومكان. يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في مقدمة كتابه شخصيات قلقة في الإسلام: " كل دين في أصله رمز، رمز قابل لما لا نهاية له من أنواع التفسير، التي قد يبلغ الفارق بين بعضها وبعض حد التناقض. والدين الذي يُقدم نفسه على أنه ناموس واضح كامل الأجزاء، صريح في كل تفصيلاته قد فض للناس كل ما فيه من مضمون على مر الأجيال والأزمان، هو دين مقضي عليه بالموت العاجل أو التحجر السريع، وكلاهما في نهاية الأمر سواء. وكلما تعددت التفسيرات لهذا الرمز، وبلغ التعدد مرتبة عالية من الافتراق الرفيع، كان هذا من أوضح الشواهد على أن هذا الدين حي، وخليق بالبقاء. وما النزعات السلفية، وما إليها من حركات تحاول أن تأسر نفسها في ربقة الرمز بمعناه الظاهر الأول، إلا علل وأزمات نفسية في تاريخ الحياة الروحية لدين ما، وعليه أن يبرأ منها قدر المستطاع حتى يستأنف تطوره الثري في مجال مراتب الروحية العليا". وهذا يعني أن السلفيين، بجعلهم أنفسهم ومشايخهم، سلطة عليا على النصوص، وعلى فكر الناس، وأساليب عيشهم، يُعتبرون خطرًا على الدين ذاته، لأنهم يصيبون مسيرته بالتحجر والجمود، ويوقفونها عند زمان معين، هو زمان السلف، وبالتالي لا يقدمون تفسيرات ومفاهيم وأفكار دينية جديدة، لإنسان مسلم متدين يريد أن يعيش عصره وزمانه، لا عصر وزمان الأسلاف. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الانسحاب من العصر، والعيش تحت قاعدة: لا تفكر، فالسلف قد فكروا لنا. وهي القاعدة التي تُغلق باب الاجتهاد، وتمنع تطوير الفكر والفقه، على النحو الذي يتيح للمسلم أن يعيش عصره، ويواجه بشجاعة قضاياه وإشكالياته، والتحديات التي يفرضها عليه.وبعيدًا عن قضية الاجتهاد والتجديد، يجب ألا يغيب عن أذهاننا، أنهم يجعلون علاقة المسلم بالله، علاقة خوف ورهبة، فيبرزون وجه الله القاهر، الجبار، المنتقم، ويكادون يصمتون عن وجهه الرحمن الرحيم. كما يغيب عنهم أن الدين يجب أن يكون أفقًا وفضاءًا مفتوحا للإنسان، وأن الله هو المحبة، والعدل، والحرية، وهو مناط الكرامة للإنسان الذي خلقه على صورته، وهو الثورة التي على الإنسان أن يقوم بها عندما تنعدم في عالمه قيم الحب والعدل والحرية والكرامة الإنسانية.في النهاية، فمن غير المقبول، أن يسعى البعض لأسباب برجماتية سياسية، ونكاية في جماعة الإخوان المسلمين، لتبرير وجود السلفيين في الساحة السياسية، على أساس أنهم تجليًا من تجليات المجتمع والواقع المصري؛ لأنهم يُجسدون بالفعل تجليًا لهما، ولكنهم تجليًا زائفًا للمجتمع والواقع، وعرضًا من أعراض المرض الذي أصاب المجتمع المصري، والشخصية المصرية في العقود الأخيرة. وهذا المرض يجب أن ننتبه له، ونعمل على مقاومته وعلاجه، من أجل صالح الدين والوطن معا.