أين تطرُق؟

فجأة تعطل محرك السفينة، توقفت فى عرض البحر، أصحاب البضائع مهددون بخسائر بملايين الدولارات لتأخر بضائعهم، الشركة المالكة للسفينة مهددة هى الأخرى بدفع تعويضات للمسافرين، هرع الطاقم الفنى إلى غرف المحركات لإصلاح العطل، لكن أحداً لم يستطع معرفة سبب توقف المحركات.

بعد استغاثات عديدة، وصل أحدهم من سفينة أخرى يحمل حقيبته، وبعد فحص المحرك أخرج مطرقة وضرب رأس أحد المسامير فاشتغل المحرك مرة أخرى وانتهت المشكلة، وبعد الوصول إلى الميناء تلقت الشركة المالكة للسفينة خطاباً بفاتورة قيمتها مليون دولار، طلبت الشركة إرفاق الفاتورة التفصيلية لتلك التكلفة التى رأتها باهظة، فكان الرد: دولار واحد ثمن الطرق بالمطرقة، وباقى التكلفة ثمن معرفة «أين تطرُق».

تلك القصة البسيطة توضح باختصار أهمية أن نضع أيدينا على الأسباب الحقيقية للمشكلات، والاعتراف بها، وأن الخروج من الأزمات لم يكن يوماً بالصوت العالى أو الإعلان عن تخصيص مبالغ ضخمة للخروج منها، فمعرفة منبع المشكلة من الأساس يعنى توفير أموال طائلة.

دفعنا طيلة العقود الماضية -وما زلنا ندفع- ثمناً باهظاً لعلاج مشكلات بطرق أبعد ما تكون عن كونها حلولاً من الأساس، لم تكن جذرية أو حتى لها علاقة بأصل القضية، فتفاقمت المشكلات الاقتصادية وتراكمت على كاهل المسئولين وضُربت الحياة الاجتماعية فى مقتل، حتى أصبح العلاج فى الوقت الحالى أصعب وأكثر مرارة من ذى قبل.

كنت -وما زلت- أعتقد دائماً أنك لن تستطيع رؤية شىء لا تعرفه من الأساس، والمثل الغربى يقول «You cannot see what you do not know»، المعرفة لا تقدر بثمن، هى أولى خطوات طريق النجاح، تشخيص المرض إما أن يكون أهم مراحل العلاج أو بداية الطريق إلى الموت، فعلى كل مسئول فى مكانه أن يعتمد على المتخصصين ويهتم بتدريب كوادره وموظفيه، بل عليه أن يطور من نفسه وقدراته طيلة الوقت هو الآخر، للخروج بتشخيص حقيقى لأمراضنا الاقتصادية والاجتماعية، فالمسألة لم تعد فى حاجة إلى «الفهلوة» و«فتحة الصدر»، ولا تحتمل تجارب، هذا ما يجب أن نؤمن ونعمل به.