ادخروا.. يرحمكم الله

لا أخفيك سراً أننا فى وضع لا نُحسد عليه، فنحن بلد فيه أكثر من 3.5 مليون عاطل، و25% من سكانها تحت خط الفقر، والموارد لا تكفى المصروفات، عجز الموازنة بلغ 240 مليار جنيه، الدين المحلى تجاوز 2 تريليون جنيه، الخدمات عقبات، التعليم فى إجازة، والصحة يرحمكم الله.

تصحيح تلك الأوضاع يحتاج إلى الكثير والكثير، يتطلب الأمر عبور عنق الزجاجة، الدولة تحاول تحقيق ذلك العبور، خطتها طموحة، تستهدف معدلات نمو اقتصادية 7% فى المتوسط، ورفع معدل الاستثمار إلى 30٪، وخفض معدل البطالة إلى نحو 5٪، مقارنة بنحو 12.9% حالياً.

تحقيق ذلك يحتاج إلى العمل على عدة محاور، أولها جذب الاستثمارات الأجنبية لتنفيذ حزمة المشروعات الضخمة التى تستهدفها الدولة، إلا أن تلك الاستثمارات تحتاج إلى تمويل، هناك جزء سيأتى من الخارج عبر المستثمر الأجنبى نفسه، وآخر يجب توفيره من الداخل، وهو ما يأتى عبر الادخار المحلى.

من باب الشفافية، يجب أن تعلم سيدى المواطن أن البنوك -مصدر التمويل الداخلى الرئيسى- تدير ودائع قيمتها 1.699 تريليون جنيه، قامت باستثمار نحو 1.577 تريليون جنيه منها، موزعة كالتالى 705 مليارات جنيه قروض و408 مليارات أذون خزانة، و295 مليار سندات، و169 مليار احتياطى إلزامى لدى البنك المركزى، وما يتبقى يدور حول 122 مليار جنيه فقط جاهزة لتمويل المشروعات من الآن.

«العين بصيرة والإيد قصيرة» كما يقول المثل الشعبى.

الأرقام ليست كبيرة، مقارنة باحتياجات مصر لتحقيق أهدافها التنموية، لانتشالنا من الوحل، المرحلة الحالية تتطلب من كل مواطن أن يستثمر فوائض أمواله فى البنوك، مثلما فعلنا فى تمويل قناة السويس، جمعنا 64 مليار جنيه فى 8 أيام عمل، منها 27 ملياراً، لم تكن فى البنوك، النتيجة أن أصحاب تلك الأموال يحصلون على عائد مجدٍ، والدولة حفرت القناة فى موعدها. جمع هذا الرقم الضخم فى هذه المدة دلالة كبيرة على وجود فوائض لدى المصريين وجدت مكانها «تحت البلاطة»، أو فى شركات توظيف أموال غير رسمية. تعانى مصر من فجوة ادخارية نسبتها 11%، وهى الفرق بين معدلات الادخار والاستثمار، ووفقاً لطموحات الدولة الرامية إلى تحقيق معدل استثمار يصل إلى 30%، فإننا فى حاجة إلى مضاعفة معدل الادخار مرات عدة.

الجهاز المصرفى -رغم كونه أقوى قطاع اقتصادى- لا يمكنه تمويل ما نحن مقبلون عليه من مشروعات، منفرداً، فبخلاف التمويل المنتظر من الخارج، يتطلب الأمر ابتكار محفزات لزيادة الودائع، وعلى المواطن أن يستثمر فوائضه المالية المعطلة فى البنوك -أكثر وسائل الادخار أمانا- بدلاً من الوقوع فريسة النصب أو الخسائر الفادحة. «ادخروا ولو جنيهاً.. يرحمكم الله».