«انطق وقول أنا صاحي».. 39 عاماً على رحيل الشاعر الكبير صلاح جاهين وما زالت أعماله تنبض بالحياة
«انطق وقول أنا صاحي».. 39 عاماً على رحيل الشاعر الكبير صلاح جاهين وما زالت أعماله تنبض بالحياة
«شاب لكن عمرى ولا ألف عام» هكذا يصف الشاعر الكبير صلاح جاهين نفسه فى رباعياته المدهشة، ليعبر عن الفنان الشامل «اللى بالأمر المحال اغتوى»، فهو شاعر ورسام كاريكاتير وممثل وكاتب سيناريوهات وأحد أعظم شعراء العامية فى مصر، وتوافق هذه الأيام الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيله.
وُلد صلاح جاهين فى 25 ديسمبر 1930، لم يستكمل دراسة الفنون الجميلة، إذ درس القانون فى كلية الحقوق إرضاءً لوالده المستشار بهجت حلمى. بدأ بكتابة الشعر الكلاسيكى فى أواخر الأربعينات، ثم تعرّف على فؤاد حداد الذى أثّر فيه تأثيراً عميقاً. وفى أواخر الخمسينات بدأ جاهين مسيرته التشكيلية فى مجلة «روزاليوسف»، كما انطلقت مسيرته الشعرية التى بلغت ذروتها فى ديوانه الشهير «الرباعيات». بعد نكسة 1967، أصيب بحالة من الكآبة لم يُشفَ منها حتى وفاته، فتوقف عن كتابة الأغانى والأناشيد الوطنية، ووجّه قلمه نحو الشعر التأملى العميق. اتسم مشروع صلاح جاهين بالصدق والبساطة، فتمكّن من التعبير عن الشعب والثورة والزعيم بأسلوب فنى فريد، فكتب «على اسم مصر»، وخلف إرثاً فنياً متنوعاً لا مثيل له، ضمّ قصائده التى جمعت فى ستة دواوين، من «كلمة سلام» و«موال عشان القنال»، وصولاً إلى «أنغام سبتمبرية» الذى كتبه بعد النكسة. كما أبدع «جاهين» مئات الرسومات الكاريكاتيرية، وكتب سيناريوهات لأعمال فنية شهيرة مثل فيلم «خلى بالك من زوزو» و«أميرة حبى أنا»، إلى جانب الفوازير الشهيرة مثل «الخاطبة» و«عروستى»، بالإضافة إلى الأغانى الوطنية والعاطفية التى عبّرت عن نبض الشعب مثل «صورة» و«بالأحضان» و«هنحارب».
شاعر بدرجة وطنى ومحارب.. «على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء»
يُعد صلاح جاهين، أحد أبرز أعمدة الإبداع فى مصر، فهو فنان متعدد المواهب؛ شاعر وتشكيلى ورسام كاريكاتير وممثل وصحفى وسيناريست. اتسم مشروعه الفنى بالصدق والبساطة، ما مكَّنه من الوصول إلى قاعدة جماهيرية واسعة. وفى الوقت ذاته، تجلَّى فى أعماله الحس الوطنى العميق، والقدرة اللافتة على التعبير عن الناس بمختلف فئاتهم، ما جعله يترك بصمة لا تُمحى فى الشعر، والأدب، والفن التشكيلى، والصحافة.
يرى الناقد والمؤرخ الثقافى شعبان يوسف أن «جاهين» كان ينزف وطناً، حتى حين كتب عن الحب أو تناول القضايا الاجتماعية، لم يكن بعيداً عن الوطن، يقول: «كان جاهين منتمياً إلى اليسار من البداية، وكان عضواً فى مكتب الأدباء والفنانين، ذلك الكيان الذى شكّل مدرسة وطنية كبيرة لكثير من المبدعين قبل ثورة 23 يوليو 1952، وكان يضم أسماء لامعة، مثل عبدالرحمن الشرقاوى وصلاح حافظ ويوسف إدريس، وغيرهم».
«شعبان»: كان ينزف وطناً وكتب «هنحارب» على ضوء الشموع خلال العدوان الثلاثى
يضيف «شعبان» فى حديثه لـ«الوطن»: «فى أجواء الأربعينات وأوائل الخمسينات كان المناخ السياسى مشتعلاً، وكان الكفاح على أشده ضد القصر والاستعمار والرأسمالية الكبيرة. وبعد ثورة يوليو، بدأت بذور القومية والعروبة تنمو بين هؤلاء الوطنيين. فى تلك الفترة، جرّب صلاح جاهين الكتابة الشعرية والرسم، وكان من أوائل أعماله رسم كتاب لمصطفى هيكل، ابن شقيق الدكتور محمد حسين هيكل، صاحب رواية (زينب)».
أما عن وطنية صلاح جاهين، فيراها «شعبان» ذات ثلاثة أبعاد: الحس الوطنى المصرى، والحس القومى العربى، والبُعد الإنسانى العالمى، حيث كان يرى أن الأزمات ليست محلية أو قومية فحسب، بل إنسانية فى جوهرها. ففى ديوانه الأول «كلمة سلام» على سبيل المثال، كتب قصيدة لتحية شارلى شابلن، وأخرى عن أحد الزنوج. ويتابع: «أصبح جاهين أحد الأعمدة الرئيسية فى مجلة صباح الخير، منذ 12 يناير 1956، إلى جانب إحسان عبدالقدوس، وأحمد بهاء الدين، وحسن فؤاد. وخلال العدوان الثلاثى على مصر، كتب أغنية (هنحارب)، التى استلهمها من خطاب جمال عبدالناصر فى الأزهر أثناء العدوان، وقد كتبت تحت ضوء الشموع، حسب روايات الأدباء المعاصرين».
«النورج»: ظل فى منطقة وسطى بين صوت الشعب والسلطة
من جهته، يقول الدكتور حمدى النورج، رئيس قسم النقد بالمعهد العالى للنقد، إن صلاح جاهين الذى وُلد عام 1930 وتوفى عام 1986، رغم قصر عمره، حجز لنفسه مكاناً رائداً فى الشعرية العربية. كان يملك قلب طفل ووعى زعيم، مشيراً إلى أنه كان امتداداً لمدرسة فؤاد حداد، الذى آمن به وسانده. ويرى «النورج» أن ما يميز مشروع صلاح جاهين ليس فقط ارتباطه بنظام جمال عبدالناصر أو إيمانه بالاشتراكية، بل رؤيته للفن كقيمة مستقلة.
ويشير إلى أن «جاهين» عاش فى ظل ظروف سياسية متباينة، بين تأييد «عبدالناصر» ومواقفه من الدولة، دون أن يطغى صوت على آخر. فقد ظل فى منطقة وسطى بين صوت الشعب، وصوت الحرية، والحق، والثورة، والمهمشين، وكذلك صوت الوطن والزعيم الذى عايشه وآمن بفكره.
ويقول: «أن يكون المبدع فى منطقة وسطى بين الشعب والسلطة، فذلك تحدٍّ كبير لا يتحقق إلا بامتلاك أداة نقدية صادقة للمجتمع، وأخرى متزنة تجاه أداء الدولة، إلى جانب إيمان راسخ بالمشروع الفنى، وهو ما يجنبه أن يتحول إلى أداة لأى طرف».
ويؤكد «النورج» أن هذين الجانبين قد تحققا لدى صلاح جاهين، كما تحققا لدى مبدعين مثل نجيب محفوظ، الذى حافظ على مكانته بين السلطة والشعب. ويقول: «أبرز ما لفت نظرى فى شعر جاهين هو ارتفاعه بالصورة الفنية إلى مستويات عليا، وقدرته على الجمع بين المتناقضات بصورة حادة ومبهرة، لا يقدر عليها سوى فنان استثنائى».