د. خديجة حمودة تكتب: الهروب من دائرة الألوان

كتب: أحمد العانوسي

د. خديجة حمودة تكتب: الهروب من دائرة الألوان

د. خديجة حمودة تكتب: الهروب من دائرة الألوان

سعداء الحظ هؤلاء الذين عاشوا فى عالم الأبيض والأسود بعيداً عن زيف الألوان وحِدَّتها وتناقضها أحياناً واختلاطها فى وقت آخر ومحاولات دمجها رغماً عن أصول كل منها، حيث يتسبب هذا الإدماج فى فقدها روعة الأصل وبريقها وجمال الإشراق أو رومانسية الخفوت ونعومته، ويبدو أن التطور والتكنولوجيا قد افقدا كل جميل معناه ومغزاه. فقد أصبحنا نعيش فى عالم الذكاء الصناعى والديچيتال مما دفع أحد المصورين ويدعى محمود الجزائرى لاختيار يوم الثانى عشر من ديسمبر ليصبح اليوم العالمى للتصوير بالأبيض والأسود وذلك فى عام 2012. وكان هذا المصور يتطلع للمستقبل بأن يتجمع المصورون فى يوم واحد كل عام ليغيروا من طريقة تصوير حياتهم اليومية بتغيير إعدادات الكاميرا إلى نظام الأبيض والأسود ويلتقطون الصور.

وبطبيعة الحال كانت الفئة المستهدفة هى كل من لديه شغف بالتصوير من المصورين الهواة أو المحترفين وأيضاً عامة الناس ممن يستخدمون كاميراتهم بالحياة اليومية. وفى أثناء الحرب العالمية الأولى كان العالم يتعرف للمرة الأولى على عالم التصوير الملون عندما نجح الثنائى الشقيقان (أوجست ولويس لوميير) فى تحويل عالم التصوير الأبيض والأسود إلى الألوان عن طريق اختراعهما الشهير باسم (تقنية أوتوكروم لوميير) وهو ما سجّله موقع إندبندنت البريطانى.

هذه التكنولوجيا عصفت بالعالم حيث كانت أول طريقة حيوية لخلق الصور بالألوان، وبين صور الوجوه وأطفال يلعبون فى الصحراء والتجارب القاسية للحرب العالمية الأولى، كانت تلك أول الصور التى أمكن رؤيتها مثل الحقيقة، واستخدم بعض المصورين المشهورين فى العالم هذه التقنية لتخليد الأسماء الشهيرة فى التاريخ، وعلى سبيل المثال قام بذلك (إلفين لا نجدون) فى صور الفرنسى هنرى ماتيس والمؤلف مارك توين والكاتب المسرحى چورچ برنارد شو. كما التقط مصورون آخرون صوراً لعجائب الدنيا بدءاً من أهرامات مصر وصولاً إلى تتويج ملك كمبوديا مونيفونج فى عام 1928.

ورغم دقة وتقنية (أوتوكروم لوميير) التى حوّلت الصور الأبيض والأسود إلى ملونة، إلا أنها أصبحت أقل استخداماً بداية من عام 1931 عندما عملت شركة كوداكرون على تطوير طريقة أكثر كفاءة للتصوير الفوتوغرافى الملون. ومنذ ظهور عصر التصوير الفوتوغرافى واستعمال الأفلام القديمة وحتى وقتنا الحالى ودخولنا فى عصر التصوير الرقمى كان التصوير الفوتوغرافى بالأبيض والأسود هو الخيار المفضل لدى المصورين المحترفين فى جميع أنحاء العالم وما زال حتى الآن ينال اهتماماً كبيراً وله عشاقه، وقد يجعلنا ذلك نتساءل: لماذا هذه الوسيلة ما زالت المفضلة حتى الآن من قبل العديد من مشاهير المصورين العالميين بالرغم من دخولنا للعصر الرقمى الدچيتال، فعندما نتعلم التصوير الفوتوغرافى تساعدنا بساطة اللون الأسود والأبيض على التركيز على الأشياء المهمة فى الصورة أو التكوين، كما يساعد الأبيض والأسود على تعلم الأساسيات دون تشتيت الانتباه، فيجعلك الأسود والأبيض تركز الانتباه على الشكل والتظليل والنمط والمفاهيم الرسومية الأخرى، فأحياناً كثيرة يمكن تحويل نقطة ملونة باهتة بسيطة إلى صورة أبيض وأسود مذهلة. كما أن مظهر الصورة له تأثير على النفس فعندما ينظر الناس إلى الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود فإنهم غالباً ما يلاحظون منذ الوهلة الأولى كيف تبدو لهم تلك الصورة كلاسيكية وأنيقة. وهذا يعتبر أحد الأسباب الرئيسية التى تجعل ذلك الفن يحظى بشعبية كبيرة بين عمالقة المصورين، أو ربما يرجع السر لقوة اللون الأسود بالذات.

ولعل شهادة عظماء الرسم على مستوى العالم هى التى تؤكد صحة هذه الكلمات، فقد قال عنه الرسام الفرنسى هنرى ماتيس «لقد أمضيت أربعين عاماً فى الرسم والتعلم فاكتشفت أن ملك الألوان هو اللون الأسود، كما تضيف الصور التى يتم إجراؤها بالأبيض والأسود طبقة إضافية من التعقيد لموضوعات». أما المصور الفرنسى (چاى جانيون) المتخصص فى تصوير الحياة المعمارية والحضرية فقد قال «العمل بالأبيض والأسود يجعلنى أشعر وكأننى رسام وليس مصوراً، يتيح لى التصوير بهذه الطريقة تركيز انتباهى على الضوء والظل والقوام والأشكال والتعبيرات». وهكذا يظل التفوق والانبهار والتميز من نصيب الأبيض والأسود والخروج من دائرة الألوان.


مواضيع متعلقة