عمار علي حسن يكتب: عملية تجميل (1)
عمار علي حسن يكتب: عملية تجميل (1)
يعتقد من تقع عيناه على عنوان رواية الكاتبة زينب عفيفى «عملية تجميل»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة مؤخراً، أنها تنشغل فقط بالصرعة الحالية للنساء اللاتى يسارعن إلى إجراء تغيير على ملامحهن وأجسادهن، بحثاً عما يتصورن أنه الأجمل، لكن من يقرأها يدرك أنها تأخذ الفكرة إلى أعماق أبعد، حين تأتى على وصف وشرح وتأويل تداعيات هذه الصرعة، وآثارها على المجتمع، حيث صراع الأجيال والطبقات، والتناقض بين العمر البيولوجى والعمر النفسى، ومسألة الشعور بالزمن الذى يمضى بلا هوادة، لا يغلبه أحد، والإجابة الحقيقية عن سؤال «السعادة» التى يسعى الناس إلى تحصيلها، ويختلفون حولها، ثم طبيعة العمران الذى يمكن أيضاً أن يشيخ، دون فقدان جماله.
تقوم الرواية على فكرتين أساسيتين، الأولى تتعلق باهتمام الناس، خصوصاً النساء، بجمال أجسادهن، والقلق الذى يساورهن حيال الشيخوخة التى تسرى فى ملامحهن، ونفورهن الدائم من الحكمة السابغة التى يطرحها شطر شعرى شهير يقول: «وهل يُصلح العطار ما أفسد الدهر؟». والثانية ترتبط بالتحولات الاجتماعية الناجمة عن فعل غريب متخيل أو واقعى، سبق أن رأينا مثله فى روايتى الأديب البرتغالى الحاصل على جائزة نوبل خوسيه ساراماجو «انقطاعات الموت»، التى تخيل فيها سكان مدينة لا يموتون، و«العمى» التى يُصاب فيها سكان مدينة بفقدان البصر.
سبق لنا أن رأينا فيلماً أمريكياً أتت الكاتبة على ذكره وهو «The Age of Adaline»، حيث الفتاة التى تعرّضت لحادثة بعدها ظلت شابة، بينما شاخت ابنتها، لكن «عفيفى» تنأى بنفسها عن السقوط فى فخ الفيلم، سواء فى حكايته أو مغزاه ونهايته، فهى هنا تُعبر فى وضوح عن حالة شرقية، وإن شئت فقل مصرية، ما يدل عليه السياق السياسى والاجتماعى الذى تدور فيه الرواية، أو الشخصيات الملتقطة من الواقع لأبطالها: المهندسة «شريهان» التى تعدّت الخمسين من عمرها دون زواج، بعد قصة حب فاشلة فى شبابها، تركت فى نفسها جرحاً غائراً، وصاحبتها «صفية» مذيعة التليفزيون، وابن أختها الشاب «طارق» الذى كان يفضّل العزوبية، وطبيب التجميل «ماهر عوض» الذى قدّم لعجائز المدينة إكسيراً سحرياً يعيد إلى المسن ميعة الشباب، امرأة كانت أو رجلاً، علاوة على شخصيات ثانوية من الموظفين، أو العابرين فى الشارع، حين ترى البطلة كيف يزيد من بينهم بمرور الوقت المختالون بشبابهم المصطنع.
لم تدعنا الكاتبة نحتار طويلاً فى الإمساك بخيط السرد حين تبدأ الرواية بلحظة تتأمل فيها «شريهان» ملامحها فى ماء النهر الرائق، فتفزع للتجاعيد التى زحفت على وجهها، والشيب الذى غزا مفرقيها، فتُنكر ما باتت عليه، لكنها تؤمن ابتداءً بحتمية ما يجرى لها، وترى فى النفس -وليس الجسد- التعبير الحقيقى عن ماهية الإنسان، وكأنها تتمثل بيتى الشعر اللذين يقولان:
«يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته
وتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل مكارمها
فأنت بالنفس لا بالحسم إنسان».