ضحايا العصر الرقمي في فخ الجريمة السيبرانية.. و«الوطن» تطلق حملة «بياناتك مش لعبة»
ضحايا العصر الرقمي في فخ الجريمة السيبرانية.. و«الوطن» تطلق حملة «بياناتك مش لعبة»
تحقيق: منة العشماوي ومحمد سعيد الشماع:
«استلفت من الشغل وخدت قرض وفكيت الشهادات بتاعتي، وخسرت كل الفلوس اللي محوشها لجواز عيالي، وندمت ندم كبير وقولت لنفسي يا ريتني ما فكرت أعمل كده»، بهذه الكلمات بدأ محمد عبدالعظيم، 53 عامًا، موظف حكومي، حديثه عن عملية النصب والاحتيال الإلكتروني التي وقع ضحية لها مع بداية العام الجاري، وكانت بدايتها استخدام تطبيق «تيك توك»، وأثناء تصفح الفيديوهات على التطبيق ظهر أمامه أحد الإعلانات عن فرصة لتحقيق أرباح مادية كبيرة من خلال التطبيق، وعندما ضغط على اللينك المتاح ظهر أمامه منصة كاملة باسم «تيك توك شوب» والتي تضم العديد من المتاجر الإلكترونية الشهيرة، وهو ما كان بداية الفخ..
ويستكمل «عبد العظيم» حديثه قائلاً: «كنت عاوز أجيب عربية جديدة وقولت الفلوس اللي تطلع من المنصة دي أدفعها مقدم للعربية»، موضحًا أنه وجد أمامه العديد من المراحل، ومع كل مرحلة يحصل على هامش ربح من تسويق بعض السلع المحددة، وفي كل مرحلة يطلبون منه إضافة مبلغ مالي بثمن السلعة حتى يتسنى له تسويقها، وعند الوصول إلى المرحلة الثالثة وجد أنها يجب إكمالها إلى النهاية حتى يحصل على كامل أمواله التي أودعها في حسابه على هذه المنصة، وبدأوا في وضع شروط بإيداع مبالغ مالية حتى يستطيع الانتهاء من المرحلة كاملة، وكان وقتها وصل إلى مبلغ 220 ألف جنيه، ويتابع «عبد العظيم»: «اضطريت أعمل إيداع لكل المبالغ دي مجبر عشان أحصل على فلوسي، وكانوا بيجيبوا رجلي خطوة خطوة».
منصة مزيفة
بعدما أودع الرجل الخمسيني 220 ألف جنيه في حسابه على المنصة خلال شهرين، أبلغوه بأنه تم تجميد الحساب ولن يردوا أي مبلغ له وعليه دفع مبلغ مالي آخر لفك التجميد، وهنا تأكد من أنها منصة مزيفة ونصبت عليه، وفقًا لحديثه، مضيفًا بنبرة حزينة: «حسيت في الوقت ده انه اتنصب عليا وكل حاجة راحت خلاص»، وحسب حديث «عبدالعظيم» فإنه توجه على الفور إلى أحد المحامين المتخصصين في الجرائم الإلكترونية، وحرر محضرا في مباحث الإنترنت وقدم كل المحادثات التي بينه وبين الطرف الآخر عبر تطبيق «تليجرام»، مختتمًا حديثه: «هددتهم أبلغ عنهم مرة، وحاولت أستعطفهم مرة تانية، لكن رفضوا يرجعوا فلوسي، ونفسي فلوسي ترجع لي تاني، ومحدش أبدًا يكرر تجربتي دي لأن مفيش حاجة اسمها ربح مالي سريع ولازم نتعب ونشتغل عشان ناخد فلوس».

ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة
واقعة النصب والاحتيال الإلكتروني التي وقع فيها الضحية «محمد عبد العظيم» ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة، فأنواع الجرائم السيبرانية على الأفراد مختلفة، ولم يُعد الابتزاز الإلكتروني والنصب والاحتيال الرقمي مجرد حوادث فردية، بل أصبحت ظاهرة تهدد أمن وأموال وسمعة المواطنين وقد تدمر حياتهم، وفي هذا التحقيق تحاول «الوطن» قياس مدى وحجم وعي المواطنين بقضايا الأمن السيبراني ومخاطره على الأفراد وسلامتهم وكشف أساليب الجرائم الإلكترونية، وكيفية حماية البيانات والمعلومات سواء عبر مواقع السوشيال ميديا أو من خلال الهواتف المحمولة والتطبيقات المختلفة، بالإضافة إلى البيانات البنكية، وهل المواطنون في حاجة إلى حملات توعية؟
استطلاع الرأي حول مدى الوعي بالأمن السيبراني ومخاطره
لا توجد بيانات رسمية تكشف أعداد الأفراد الذين وقعوا فريسة للجرائم الإلكترونية، لذا أجرت «الوطن» استطلاع رأي من خلال استخدام أداة «Google Forms» لقياس مدى وعي المواطنين بالأمن السيبراني ومخاطره على الأفراد، وشارك بالاستطلاع «إناث/ ذكور» وجاءت مشاركة الإناث مناصفة تقريبًا مع الذكور بواقع 76 مشاركة مقابل 75 مشاركا من أصل 151 مشاركا، بينما جاء أعمار من شاركوا بالاستطلاع في الفئة العمرية «45:35» عاما في المرتبة الأولى بنسبة 36.4%، تليها فئة «35:25» بنسبة 29.8%، ثالثًا فئة «55:45» بنسبة 13,9%، رابعًا فئة «25:15» بنسبة 11.3%، وفي المرتبة الخامسة والأخيرة جاءت الفئة العمرية «65:55» بنسبة 8.6% من إجمالي عدد المشاركين بالاستطلاع، كما تنوعت وظائف من شاركوا بالاستطلاع بين «طلاب / محامين / مهندسين / أطباء / موظفين حكوميين / عمل خاص / أساتذة جامعات / ربات منزل / بدون عمل / موظفين بالمعاش»، كما تنوعت الحالة الاجتماعية والمؤهل الدراسي لمن شاركوا بالاستطلاع.
وللاطلاع على استطلاع الرأي كاملًا، رجاء الضغط على هذا الرابط.
نتائج استطلاع الرأي
وشمل استطلاع الرأي 35 سؤالًا، وكشف أن «فيس بوك» هو من أكثر مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات التي يستخدمها المشاركون في استطلاع الرأي، يليه «واتساب» ثم «إنستجرام» و«يوتيوب» و«تيك توك»، كالآتي:

وعن استخدام كلمات المرور للتطبيقات والحسابات، فكشف الاستطلاع أن 31.8% من المشاركين يستخدمون كلمة مرور واحدة مع جميع التطبيقات والحسابات، و45% منهم لا يفعلون ذلك، أما 23.2% منهم يكررون كلمات المرور مع بعض التطبيقات والحسابات، كما أوضح الاستطلاع أن 33.1% يغيرون كلمات المرور بشكل دوري، و30.5% يغيرونها حال الاختراق والتهديد فقط، أما النسبة الأكبر 36.4% يغيرون كلمة المرور عند طلب التطبيق فقط، وعن استخدام كلمات مرور قوية للحسابات والتطبيقات أجاب 86.8% بنعم، 13.2% بـ لا.

وعن قدرتهم على التمييز بين الروابط «اللينك» المعروفة وغير المعروفة أجاب 49% بـ«نعم» يستطيعون، و«أحيانًا» 31.1% و«لا» 19.9%، كما أن 56.6% منهم لا يستخدمون برنامج مضاد فيروسات أو حماية، و44.4% لا يستخدمونه.

وأكد 77.5% من المشاركين أنهم تلقوا رسائل أو مكالمة احتيالية تطلب منهم معلومات شخصية أو بنكية، و22.5% لم يتلقوها، وأكد غالبية المشاركين بعلمهم أن مشاركة معلوماتهم الشخصية عبر الإنترنت قد تُعرضهم لمخاطر أمنية، وعن استخدامهم لشبكات «واي فاي» عامة أجاب 43% منهم بـ «لا»، و34.4% «أحيانًا»، و22.5% بـ «نعم».

وعن تعرض أحد المحيطين بهم لعملية نصب أو احتيال أو ابتزاز إلكتروني، فأجاب 60.3% بـ «لا»، و39.7% بـ «نعم»، وعن اعتقادهم بقدرة استخدام أطفالهم للإنترنت بأمان أجاب 69.8% بـ«لا» و30.2% بـ«نعم»، وفيما يتعلق بمعرفتهم بالإجراءات التي يجب اتباعها قانونيًا إذا تعرضوا لاختراق إلكتروني: أجاب 54.3% بـ «نعم» و45.7% بـ«لا»، وحول رؤيتهم هل تقدم المؤسسات المختلفة مثل المدارس والجهات الحكومية والإعلام الوعي الكافي حول الأمن السيبراني أجاب 66.2% بـ«لا»، و30.5% بـ«أحيانًا»، و3.3% بـ«نعم».

وعن قراءة أذونات التطبيقات قبل تثبيتها على الهاتف، أجاب 58.9% بـ«لا»، و41.1% بـ«نعم»، وحول مشاهدتهم لإعلانات أو حملات توعية تتعلق بالأمن السيبراني وحماية المعلومات أجاب 53% بـ«لا» و27.8% بـ«نعم»، و19.2% بـ«أحيانًا»، وفيما يتعلق بمدى امتلاكهم المعرفة الكافية لحماية بياناتهم الإلكترونية بشكل جيد أجاب 62.3% بـ«لا» و37.7 بـ«نعم».
النتائج الكاملة لاستطلاع الرأي
تجارب المشاركين في الاستطلاع مع الجرائم الإلكترونية
كما استعرض عدد كبير من المشاركين قصص تعرضهم للجرائم الإلكترونية، وتنوعت بين سرقة حسابات بنكية، والنصب باسم إحدى شركات النقل الشهيرة بين المحافظات، واختراق جهاز اللاب توب وحجب البيانات وطلب دفع مبلغ مالي، والحصول على صور شخصية من خلال «فيس بوك» والابتزاز بها، وشراء أثاث من إحدى الشركات المزيفة الاحتيالية.
تحليل استطلاع الرأي
ويحلل إسلام سامي، باحث إعلامي، استطلاع الرأي، موضحًا وجود تنوع في عينة المشاركين وفقًا للمتغيرات الديموغرافية من حيث مستوى التعليم والمستوى الاقتصادي الاجتماعي، وكذلك النطاق الجغرافي، ما يعطي ثقلا لنتيجة الاستطلاع، كما تتفق نتائج الاستطلاع مع بعض الإحصائيات الرسمية، فمثلا وجود تطبيق «فيس بوك» في المرتبة الأولى يتفق مع الإحصائية التي أجرتها شركة «ميتا» في بداية عام 2025 عن زيادة عدد مستخدمي «فيس بوك» في مصر ليصل إلى 48.7 مليون مستخدم، ما يعكس تنامي الاعتماد على التطبيق في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ووفقًا لـ«سامي» فالإجابات تعكس وعي المشاركين بأن مواجهة الجرائم السيبرانية والحماية منها يأتي من ضمن أدوار الحكومة والوزارات المختلفة والإعلام، كما تكشف نتيجة الاستبيان أن المواطنين في حاجة إلى جهود أكبر من جميع المؤسسات الحكومية والخاصة بشأن حملات التوعية بمخاطر الأمن السيبراني على الأفراد.
الاستبيان كشف أن نسبة كبيرة من المشاركين على علم بجرائم الأمن السيبراني من خلال الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن يفتقدون القدرة الكافية لحماية حساباتهم وبياناتهم، حسب حديث «سامي»، لـ«الوطن»، موضحًا أن أطفالهم بحاجة إلى حملات توعية في المدارس، كما أن نسبة كبيرة من المشاركين يحتاجون إلى معرفة الإجراءات القانونية وكيفية التصرف حال تعرضهم لأي جريمة إلكترونية.
«إيمان».. ضحية الابتزاز الإلكتروني
وعلى مستوى ضحايا الابتزاز الإلكتروني كانت إيمان، «اسم مستعار»، 40 عامًا، مطلقة ولديها طفلتان من زوجها الأول المتوفى، تعيش «إيمان» على مدار العامين الماضيين وحتى اليوم حالة من الخوف والرعب بعدما تدمرت حياتها بسبب ابتزازها إلكترونيًا من جانب طليقها، وفقًا لحديثها.
وتحكي «إيمان» تجربتها قائلة إنها تزوجت بعد وفاة زوجها الأول، وكان هذا الزواج منذ 3 أعوام وكان زواجًا طبيعيًا في البداية إلى أن اكتشفت أنه يتعاطى المخدرات لتبدأ مواجهتها له فينكر في البداية ثم يؤكد على صحة الأمر فيما بعد ويبدأ في معاملتها بشكل مهين أمام بناتها وهو ما رفضته تمامًا، مضيفة: «اكتشفت بعد كدة إنه بيخوني مع ستات تانية وحسيت في الوقت ده إنه خلاص مش هينفع نكمل مع بعض».
وطلبت «إيمان» منه الطلاق بعد مرور عام من زواجهما، ورفض وأبلغها بتمسكه الشديد له، وعند إلحاحها بالانفصال بدأ في مواجهتها بأنه سينشر لها فيديوهات وصورا أثناء العلاقة الشرعية معه، كان قد التقطها لها، وفقًا لحديثها، متابعة: «كان بيحطلي حاجة في العصير عشان يقدر يصور الفيديوهات والصور دي وأنا مش وعيي، وحسيت أنه مريض بجد».
ووفقًا لحديث «إيمان»، بعد رفض زوجها طلاقها وتهديداته رفعت قضية خلع وانفصلت عنه، ليقرر طليقها معاقبتها والضغط عليها مرة أخرى للعودة إليه بنشر الفيديوهات والصور على مواقع التواصل الاجتماعي وإرسالها إلى جميع أفراد عائلتها ومعارفها وزملائها في العمل وزملاء ابنتها الكبرى بالمدرسة، ووصل به الأمر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تركيب صور خارجة لوالدتها وابنتها والتهديد بها، قائلة: «حياتي كلها اتدمرت وكرهت حياتي كلها ومشيت من شغلي، وما بقتش عارف أعيش حياتي، وبنتي كرهتني وشيلتني ذنب كل ده».
واختتمت «إيمان» حديثها بأنها حاولت بكل الطرق إيقاف زوجها عن هذه التصرفات، ولكنها عجزت قائلة بنبرة فاقدة للأمل: «هددني كتير بأنه يؤذي بنتي ووالدتي لو بلغت الشرطة باللي بيحصل ده عشان كده فضلت ساكتة ومش قادرة آخد خطوة، وفي شهر يناير عملت محضر في مباحث الإنترنت بمساعدة محامي وعندي أمل يتقبض عليه وكل الحاجات المنشورة دي تتمسح».

الأمن السيبراني في العصر الرقمي
«الأمن السيبراني هو مجموعة من العمليات والأدوات والتقنيات والسياسات الأمنية التي تهدف إلى حماية الأجهزة، الشبكات، البرامج، والبيانات، من الهجمات أو الوصول غير المصرح به أو التلف أو السرقة أو التلاعب»، وفقًا للدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية.
وذكر «محسن» أن الدراسات الأمنية تشير إلى أن كبار السن 60 عامًا وأكثر معرضون لهجمات الهندسة الاجتماعية والاحتيال الهاتفي والاحتيال البنكي، والمراهقون والشباب من عمر 15 إلى 25 عامًا هم أهداف سهلة للاختراق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية، وبالنسبة للراشدين من 30 إلى 45 عامًا يقعون ضحية لهجمات التصيد المتقدم والاحتيال المهني عبر البريد الإلكتروني.
وأكد مستشار الأمن السيبراني أن التوعية هي خط الدفاع الأول ضد الهجمات الإلكترونية، فبدون الوعي الكافي، تبقى أي بنية تحتية عرضة للخطر مهما كانت قوتها التقنية، وينبغي أن تشمل حملات التوعية جميع الفئات العمرية والمهنية، منوهًا بأنه في ظل تزايد تعقيد التهديدات السيبرانية، لم يعد الأمن السيبراني مسؤولية المتخصصين فقط، بل أصبح مسؤولية مجتمعية شاملة.

وأوضح «محسن» أن الإحصاءات تشير إلى أن الأنماط التالية من الهجمات تمثل أكثر التهديدات انتشارًا وهي هجمات التصيد الاحتيالي، حيث يتم إرسال رسائل بريد إلكتروني أو رسائل نصية تبدو وكأنها من جهات موثوقة، تطلب من الضحية إدخال بياناته السرية، والابتزاز الجنسي الإلكتروني، حيث يتم استدراج الضحية لمشاركة محتوى خاص ثم التهديد بنشره ما لم يتم دفع فدية، وبرمجيات الفدية التي تقوم بتشفير بيانات الضحية وطلب فدية مالية مقابل فك التشفير واختراق الحسابات الضعيفة الناتج عن استخدام كلمات مرور بسيطة أو معاد استخدامها.
تأمين الحسابات الشخصية والمالية يتطلب اتباع نهج متعدد الطبقات، كلمات مرور قوية وفريدة، يجب استخدام كلمات مرور معقدة تتضمَّن مزيجًا من الحروف الكبيرة والصغيرة، الأرقام، والرموز الخاصة، وعدم استخدام كلمة مرور واحدة لأكثر من حساب، وفقًا لـ«محسن»، ناصحًا بتغيير كلمات المرور كل ثلاثة إلى ستة أشهر، خصوصًا للحسابات الحساسة، مع تفعيل المصادقة متعددة العوامل من خلال إضافة طبقة تحقق إضافية باستخدام رمز يُرسل إلى الهاتف أو عبر تطبيقات المصادقة.
كما أوضح مستشار الأمن السيبراني أنه من المهم مراجعة سجلات الدخول للحسابات البنكية وحسابات التواصل الاجتماعي بشكل دوري والتأكد من عدم وجود أنشطة مشبوهة، والتحديث المستمر للأنظمة والتطبيقات من أجل سد الثغرات الأمنية التي قد يستغلها المهاجمون وتجنب استخدام الشبكات العامة «واي فاي» لا سيما في إجراء العمليات البنكية أو إدخال بيانات الدخول.
التمييز بين الروابط الأصلية والمزيفة
يُمكن التمييز بين الروابط «اللينكات» الأصلية والمزيفة، ولكن يُصعب ملاحظة الفرق بينهما، كما أن هناك طرقا مختلفة للتمييز بينهما، ولكن لن يستطيع الجميع تطبيقها، بالإضافة إلى توافر العديد من التطبيقات التي تعزز حماية الأجهزة والبيانات، وفقًا لما قاله «محسن».
وعن تطور الذكاء الاصطناعي وتزييفه للصور والفيديوهات، أوضح «محسن» أن الذكاء الاصطناعي أصبح يُستخدم على نطاق واسع في إنشاء محتوى مزيف، ما يصعب على الأفراد تمييز الفيديوهات أو التسجيلات الحقيقية من المزيفة، وتابع أنه ينبغي التدقيق في جميع الطلبات المفاجئة للمال أو المعلومات والتأكد من هوية المرسل عبر وسائل اتصال بديلة.

التلاعب النفسي بالضحايا
لا يمكن أيضًا إغفال جانب التلاعب النفسي بالضحايا، والذي تفسره الدكتورة نيڤين حسني، استشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات، أن مرتكبي الجرائم يتلاعبون نفسيًا بالضحايا ويضغطون عليهم لعدم إخبار المحيطين بما يمرون به من ابتزاز أو نصب أو احتيال.
ووفقًا لحديث «نيفين» أن التلاعب النفسي يعتمد على عدة أساليب ممنهجة، ومنها الإيهام بالعار أو الخوف، إذ أن المُبتز يجعل الضحية تشعر بالعار أو الذنب، ما يمنعها من طلب المساعدة، والتهديد بالتشهير أي يهدد المبتز بكشف معلومات أو صور حساسة، ما يولد خوفًا كبيرًا من الفضيحة، ومن الأساليب أيضًا، العزلة حيث يحاول المُبتز إقناع الضحية أن لا أحد سيصدقها أو يساعدها، ما يزيد من شعورها بالوحدة، كما أن اللعب على المشاعر أحيانًا يظهر المبتز بمظهر المتعاطف أو المُحب لجعل الضحية تثق به أكثر.
وترى «نيڤين» أن التوعية مهمة جدًا وبشكل مستمر لأن التلاعب الرقمي وتطور أساليب النصب يتطلب رفع وعي الأفراد بكل الأعمار والفئات المجتمعية، مشيرة إلى أن المسؤولية مشتركة وتقع على عاتق الحكومات من خلال حملات التوعية والقوانين، والإعلام من خلال برامج توعية وتقارير دورية، والمدارس والجامعات من خلال دمج مفاهيم الأمان الرقمي في المناهج، والأسرة من خلال نشر ثقافة الحوار وعدم الخوف من طلب المساعدة، والأفراد أنفسهم بتعلم أساسيات الحماية الرقمية وعدم التردد في طلب الدعم.
استغلال براءة الأطفال
ومن داخل ملفات العيادات النفسية، حكت الدكتورة هالة حماد، استشاري الطب النفسي، عن أكثر الحالات التي تتردد عليها ممن تعرضوا لابتزاز إلكتروني وتحديدًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتعرض الأطفال سواء ذكور أو إناث من سن 10 سنوات للابتزاز عن طريق المحادثات مع أشخاص مجهولين يستغلون براءتهم، مثل الأطفال الإناث اللاتي يرسلن صورًا شخصية وفيديوهات إلى مجهولين الذين يخبرونهن بأنهم فتيات مثلهن، ثم يتم بيع هذه المواد على مواقع «الدارك ويب»، ويصل الأمر إلى التهديد والابتزاز، وتقع الفتيات ضحايا في شباك الابتزاز الإلكتروني، وتكتشف الأسرة هذا الأمر لاحقًا.

حالات المراهقات والابتزاز باسم «الحب»
وحسب «حماد»، توجد أمثلة أخرى مثل ابتزاز الفتيات المراهقات من خلال زملاء الدراسة تحت اسم «الحب»، ومن خلالها ترسل الفتاة صور شخصية لها، ليتم ابتزازهن لاحقًا بهذه الصور، وأن هذا الأمر لا يقتصر على هذه الفترة العمرية فقط، بل يمتد إلى من هن في أعمار العشرينيات والثلاثينيات لأنه ليس مرتبطا بعمر محدد، كما أن الابتزاز يضع الضحايا في حالة خوف وتوتر رهيب من «الفضيحة»، لذا يخضعن لمتطلبات الطرف الآخر مثل تحويل الأموال أو غيره.
التجسس بين الأزواج والوسواس المزعج
وهناك حالات لسيدات يعملن على التجسس على أزواجهن بشكل مستمر، سواء عبر الحسابات الشخصية أو عبر تتبع الأماكن باستخدام الـGPS، وغالبًا ما يكون السبب الوسواس والتركيز الزائد على شريك الحياة بطريقة مزعجة، وفقًا لـ«حماد»، مضيفة أن بعض الرجال أيضًا يتحكمون في حسابات زوجاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي حتى بعد الطلاق، مؤكدة على أهمية علاج هذه الحالات نفسيًا.
طريقة التعامل مع الضحية نفسيًا
وأكدت استشاري الطب النفسي أن التوعية منذ الطفولة هي الأساس، وأن للأسرة والمدرسة دورًا قويًا وأساسيًا في هذا الجانب، وشددت على ضرورة زيارة الطبيب النفسي حال مرور الشخص بحالة نفسية سيئة نتيجة ما تعرض له من ابتزاز بمختلف أنواعه أو نصب وخسارة أمواله، حتى يتمكن من تجاوز الأزمة النفسية عبر جلسات علاجية متعددة حسب نوع الحالة والمشكلة، واختتمت «حماد» حديثها بأنه يجب على الأسرة التعامل بشكل إيجابي مع أي فرد وقع كضحية لجريمة إلكترونية دون توجيه اللوم له على الإطلاق.
السيدات والأطفال ضحايا الابتزاز الإلكتروني
يقول إسلام العيسوي، المحامي والخبير القانوني المتخصص في الجرائم الإلكترونية، إن أكثر القضايا داخل المحاكم فيما يخص الجرائم الإلكترونية هي قضايا الابتزاز الإلكتروني وأكثر الفئات التي تتعرض للابتزاز هي الأطفال والسيدات، بالإضافة إلى قضايا النصب الإلكتروني التي تطول جميع الفئات العمرية.
قضايا النصب الإلكتروني
قضايا النصب الإلكتروني منتشرة بشكل كبير، حيث يستغل المحتال نسبة عدم الوعي الكافي لدى الأشخاص بالأنشطة الإلكترونية، ويتصيد ضحاياه مستغلاً الحاجة لدى الضحايا والتي غالبًا تكون المال والربح السريعة، ويظهر ذلك من خلال منصات الربح الوفير والسريع والتي بدأت بمنصة «هوج بول» وصولًا لمنصة «أف بي سي» والعديد من المنصات الأخرى مثل «تيك توك شوب»، وفقًا لحديث «العيسوي» قائلا: «استقبلنا في المكتب خلال سنة كامة ما يقرب من 300 قضية نصب إلكتروني من خلال مثل هذه المنصات».
تحذير.. لا تنهار أمام مرتكب الجريمة ولا تُلبي طلباته
نصائح مهمة يجب على الضحايا اتباعها أهمها عدم الانصياع وراء الضغط الذي يُمارس عليه من جانب مرتكب أي جريمة إلكترونية وعدم دفع أية مبالغ مالية له، وعدم الانهيار أمامه نهائيًا، وبالنسبة للأطفال يجب التواصل مع شخص ذو ثقة من الأهل، وعرض الأمر كاملاً عليهم، ثم التوجه إلى محام متخصص أو الذهاب مباشرة إلى مباحث الإنترنت لتحرير محضر، حسبما أوضح «العيسوي».
طمس الدليل الرقمي وفقد الإثبات
وأشار الخبير القانوني في الجرائم الإلكترونية إلى أنه يجب على جميع الضحايا سواء ابتزاز أو نصب واحتيال إلكتروني، عدم مسح المحادثات بين الضحية والطرف الآخر، وعدم إجراء حظر له مهما كانت أساليب الضغط عليه، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية، كما ينبغي مجاراته وعدم إبلاغ الطرف الثاني بأنه سوف يتخذ إجراءات قانونية حتى لا يتخذ احتياطاته، متابعًا: «في ناس بتعمل مشكلة كبيرة جدًا لما تروح ماسحة الشات وتعمل حظر للطرف التاني، وبكده يكون طمس الدليل الرقمي لأنه له حجيته في الإثبات، وبكده يكون فقد فرصة تحرير محضر».
الحكم في القضايا الإلكترونية قد يستغرق سنوات
«قضايا الابتزاز الإلكتروني مبتاخدش وقت كبير لو الطرف الثاني معروف ومسجل رقم الموبايل باسمه، لكن لو الشريحة مش باسمه أو مش عارف الشخص ده فيحصل تتبع وهياخد وقت طويل طبعًا وممكن الموضوع ياخد سنوات»، هكذا قال «العيسوي»، مضيفًا أن النصب الإلكتروني أغلبه تشكيلات عصابية في الخارج تستخدم تطبيق «تليجرام» ومن خلال وسائط مصريين، ويكون أيضًا صعب الوصول إليهم هذه التشكيلات.

عقوبة الابتزاز الإلكتروني
لا يوجد مصطلح «الابتزاز الإلكتروني» في القانون لأنه لفظ مستحدث، وتندرج عقوبته في قانون العقوبات وفقًا للمادة 327 وهو التهديد المصحوب بطلب جريمة أخرى، حسب «العيسوي»، موضحًا أن العقوبة تصل من 3 إلى 10 سنوات، وإذا ثبت بالفعل الجريمة تُطبق المحكمة أقصى العقوبة، أما مجرد التهديد فقط يُعد «جُنحة» وعقوبته من 24 ساعة إلى 3 سنوات.
عقوبة النصب والاحتيال الإلكتروني
الأمر نفسه يتعلق بمصطلح النصب الإلكتروني، فلا يوجد في قانون العقوبات أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وتندرج عقوبته وفقًا لما أوضحه المحامي المتخصص، في قانون العقوبات وفقًا للمادة 336 تحت بند النصب والاحتيال وهي استخدام وسائل أو طرق احتيالية للاستيلاء على أموال المواطنين وعقوبتها تبدأ من 24 ساعة إلى 3 سنوات.

حملة «الوطن» للتوعية بمخاطر الأمن السيبراني للأفراد
الاحتياج الشديد والمستمر إلى توعية المواطنين بأساسيات الأمن السيبراني ومخاطره الجسيمة على الأفراد، هو ما توصلت إليه «الوطن» من خلال التحقيق، والمتمثل في تحليل نتائج استطلاع الرأي الذي تم إجراؤه، ومن خلال التواصل مع عدد من ضحايا الجرائم الإلكترونية، وآراء بعض المتخصصيين.
وإيمانًا وإدراكًا بأهمية تعزيز ثقافة الأمن الرقمي في المجتمع، قررت «الوطن» تبني فكرة إطلاق حملة توعية بمخاطر الأمن السيبراني على الأفراد للمساهمة في زيادة الوعي وحماية البيانات الشخصية والبنكية وأساليب التصدي للهجمات الإلكترونية على الأفراد، وتسعى الحملة التي تأتي تحت اسم «بياناتك مش لعبة» إلى تقديم المعلومات والإرشادات اللازمة للمواطنين، بما يساهم في بناء مجتمع رقمي أكثر أمنًا لتقليل ظواهر اختراق البيانات والنصب والابتزاز مستقبلا.