د. خديجة حمودة تكتب: العروس التى وضعت روحها على كفّها ومشت

كتب: أحمد العانوسي

د. خديجة حمودة تكتب: العروس التى وضعت روحها على كفّها ومشت

د. خديجة حمودة تكتب: العروس التى وضعت روحها على كفّها ومشت

بعيداً عن الأنقاض وبقايا المبانى وعلامات القذائف الشرسة وألوان جدران غرف الصغار المبهجة وأدوات الطهى المحطمة وصور الشهداء على الجدران ورائحة الخبز الممزوج ببقايا الطحين والأتربة، حاولت بطلة اليوم أن تجد لها ركناً صغيراً فى الخيمة تحتفظ فيه بثوب عرسها الذى كان قد تحدّد تاريخه بعد يومين من استشهادها، وإلى جواره زجاجة صغيرة بها بقايا عطر، وبعض أدوات للتجميل، والعباءة الفلسطينية التراثية التى ورثتها عن جدتها لتلبسها بعد الزفاف فقد كان لديها أمل وسط كل هذه التناقضات أن تعيش ليلة العمر، وأن يلتف حولها هؤلاء الصغار لينسوا، ولو للحظات، واقعهم الأليم، ليغنوا ويرقصوا حولها.

«فاطمة» استُشهدت قبل زفافها مع عشرة أفراد من عائلتها، بينهم شقيقتها الحامل، وهو ما نشرته جريدة «جارديان». وكانت «فاطمة حسونة»، ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعى، حيث شاركت متابعيها الذين تجاوز عددهم ٣٥ ألفاً بلقطات توثّق واقع الحياة اليومية فى غزة، بما فى ذلك مشاهد من حياة الصيادين على شاطئ البحر الذى شكّل آخر منشور لها قبل وفاتها على صفحتها فى «فيس بوك».

وفى أحد منشوراتها السابقة كتبت «حسونة»: (إذا مُت أريد موتاً صاخباً، لا أريد أن أكون مجرد خبر عاجل أو رقم فى مجموعة، أريد موتاً يسمعه العالم، وأثراً يبقى عبر الزمن، وصورة خالدة لا يُمحى أثرها بمرور الزمان والمكان).

وقد اعتادت «فاطمة» منذ بداية الحرب فى 7 أكتوبر أن تسجّل صوراً تحكى الأحداث بتسلسلها كما لو كانت كلمات وراء كلمات، وأحياناً كانت تبدو لقطاتها الصادقة المعبّرة الموجعة كأبيات شعر تكون قصيدة واقعية، وهو ما جعلها تحصل على موافقة مهرجان كان السينمائى لعرض فيلم (ضع روحك على كفك وامشِ) ضمن برنامج ACID للسينما المستقلة، وهى إحدى الفئات الموازية فى المهرجان.

وفى بيان له أشار مهرجان كان إلى أن فاطمة حسونة البالغة من العمر 25 عاما كرّست حياتها لتوثيق الحياة اليومية فى غزة، رغم المخاطر التى فرضتها الحرب، ووصفها بأنها واحدة من الكثير من الضحايا الذين سقطوا نتيجة تصاعد العنف خلال الأشهر الأخيرة.

وأضاف البيان أن عرض الفيلم يوم 15 مايو فى فئة ACID لن يكون مناسبة سينمائية، بل تحية لذكراها، وتكريماً لرسالتها التى حملتها بعدستها، فى محاولة لإيصال صوت الناس فى غزة إلى العالم.

المخرجة سبيدة فارسى من إيران وجّهت بدورها رسالة مؤثّرة بعد مقتل «فاطمة» قائلة: (أطالب بالعدالة لفاطمة وجميع الفلسطينيين الأبرياء الذين لقوا حتفهم)، مؤكدة أنها كانت تتواصل معها باستمرار من خلال مكالمات فيديو كانت تحكى خلالها «فاطمة» عن معاناة الحياة تحت القصف.

ومن أجمل اللقطات التى يتضمّنها الفيلم صورة لبطلتنا تحمل كاميراتها بين يديها وتبتسم ابتسامة الانتصار، فقد كان كل هدفها فضح الانتهاكات التى تتم فى غزة، ويبدو أنها كانت تبتسم للموت، وتُرحّب به لتقيم حفلاً فى السماء.

وفى محاولة لإكمال ما بدأت وتسجيل الصور التى ستحكى للأجيال القادمة قصة انتصار الغزاويين على القنابل والطائرات المسيرة والطلقات الغادرة، سجل اتحاد الإعلاميات العرب صورة ذلك اليوم التاريخى للقضية الفلسطينية منذ أيام، والتى ظهرت فيها أول سفيرة لفلسطين فى النرويج تصافح ملك النرويج بعد اعتمادها والاعتراف بها كدولة مستقلة، صورة أخرى سجّلها الاتحاد وصحف عالمية وعربية للفريق السويسرى للمبارزة عقب رفض أعضائه احترام النشيد الوطنى الإسرائيلى بعد أن أداروا ظهورهم للعلم خلال تتويج الفريق الإسرائيلى بالميدالية الذهبية للبطولة الأوروبية تحت 23 عاماً، صورة أخرى لم تتمكن «فاطمة» من التقاطها لبُعد المسافات، وهى لشخص كورى يعتصم وحيداً أمام سفارة الاحتلال دعماً لغزة.

ولعل أجمل الصور التى لم يكتب لها أن تراها هو بورتريه للدكتور والبروفيسور (زيك فريد فوجل)، الذى يعلن وفاته وينعيه، وهو رئيس قسم جراحة الأعصاب فى مستشفى مايو كلينك ببرلين بألمانيا، والذى يصنّف واحداً من أفضل خمسة جراحين فى العالم، والذى أجرى 450 عملية «سرطان دماغ» فى فلسطين، وآلاف عمليات العمود الفقرى، وقام بمساعدة الكثير من الطلاب الفلسطينيين بألمانيا، كما أهدى مستشفيات فلسطين الكثير من الأجهزة الطبية مجاناً، وأسفل هذه الصورة كتبوا أن البروفيسور قال: (قولوا للفلسطينيين سوف تنتصرون).


مواضيع متعلقة